دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا مرحلة أكثر حساسية وتعقيدًا، مع اتساع فجوة الثقة بين ضفتي الأطلسي، وتزايد المخاوف الأوروبية من سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظل نقاشات متصاعدة داخل العواصم الأوروبية حول مستقبل الاعتماد على واشنطن، التي كانت لعقود الضامن الأمني الأول للقارة.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، لم تعد التباينات بين الجانبين مجرد خلافات سياسية ظرفية، بل تحولت إلى نقاش استراتيجي واسع داخل أوروبا حول كيفية التعامل مع مرحلة "الانفصال التدريجي" عن الولايات المتحدة، في ظل مؤشرات على تبدّل طبيعة العلاقة التقليدية بين الحليفين.
ويشير التقرير إلى أن نقاشات مكثفة دارت داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل، خلال اجتماعات وُصفت بالحاسمة، حيث طُرح لأول مرة بشكل مباشر سؤال: هل ما تزال الولايات المتحدة تمثل مظلة حماية لأوروبا، أم أنها باتت عامل عدم يقين استراتيجي؟
وخلال تلك الاجتماعات التي ضمّت قادة دول الاتحاد، طُرحت مخاوف متزايدة من سياسات واشنطن، في ظل توتر سياسي متصاعد، وتباينات في أولويات الأمن والطاقة والعلاقات الدولية، ما دفع بعض القادة إلى الدعوة لإعادة تقييم الاعتماد الأمني والعسكري على الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، نقل التقرير عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تأكيده ضرورة تعزيز استقلال القرار الأوروبي، محذرًا من مخاطر الإفراط في الاعتماد على واشنطن، فيما برزت داخل النقاشات الأوروبية انتقادات حادة لطبيعة السياسة الأميركية الجديدة، واعتبارها أقل قابلية للتنبؤ.
كما أظهرت المداولات انقسامًا داخل أوروبا بشأن كيفية التعاطي مع إدارة ترامب؛ إذ فضّل بعض القادة نهج التهدئة وتجنب التصعيد، بينما دعا آخرون إلى تسريع بناء قدرات أوروبية مستقلة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والطاقة.
وبالتوازي، بدأت عدة دول أوروبية خطوات عملية لتعزيز "الاستقلال الاستراتيجي"، شملت دعم الصناعات الدفاعية المحلية، وتوسيع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب مراجعة الاعتماد على التقنيات الأميركية في بعض القطاعات الحيوية.
وفي المقابل، حذّر محللون أمنيون من أن أي تحول جذري في بنية التحالف الغربي قد يفرض تكاليف اقتصادية وأمنية مرتفعة على أوروبا، خصوصًا في ظل استمرار التحديات الجيوسياسية على حدود القارة.
كما برزت داخل أروقة حلف شمال الأطلسي محاولات للحفاظ على تماسك التحالف، عبر سياسات تهدف إلى تجنب الصدام المباشر مع واشنطن، في وقت تتزايد فيه الضغوط لرفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي ضمن منظومة الناتو.
ووفق التقرير، فإن ما يُوصف بـ"دبلوماسية التوازن" داخل أوروبا تهدف إلى منع انهيار التحالف الأطلسي، مع محاولة تأمين أكبر قدر ممكن من الاستقلالية في القرار الأوروبي، دون الذهاب إلى قطيعة كاملة مع الولايات المتحدة.
ويخلص التقرير إلى أن العلاقة بين واشنطن وأوروبا تمر بمرحلة إعادة تعريف شاملة، حيث لم يعد السؤال مرتبطًا بإدارة الخلافات داخل التحالف، بل بحدود هذا التحالف نفسه، وإمكانية استمراره بالشكل الذي عرفه العالم خلال العقود الماضية.