في وقت تتصاعد فيه موجات الحر الشديدة التي تضرب مناطق واسعة من العالم، تتزايد التحذيرات من الدور غير المباشر الذي قد تلعبه منظومات الذكاء الاصطناعي في تفاقم الأزمة المناخية، إلى جانب العوامل التقليدية المرتبطة بالاحتباس الحراري والانبعاثات الصناعية.
وتشير دراسات بيئية حديثة إلى أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التوليدي تعتمد على مراكز بيانات ضخمة تضم آلاف الخوادم العاملة على مدار الساعة، ما يفرض استهلاكًا مرتفعًا لـ الطاقة الكهربائية ويؤدي إلى إنتاج كميات كبيرة من الحرارة والانبعاثات الكربونية.
ووفق تلك الدراسات، فإن تدريب النماذج اللغوية وتشغيلها اليومي يتطلبان طاقة تفوق بكثير تلك المستخدمة في محركات البحث التقليدية، في ظل استمرار اعتماد جزء كبير من شبكات الكهرباء العالمية على الوقود الأحفوري مثل الفحم والغاز.
وتُظهر تقديرات بيئية أن عملية واحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تستهلك طاقة تعادل عدة أضعاف البحث الإلكتروني العادي، وهو ما ينعكس في صورة “نهم رقمي” يتراكم ليولّد ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
كما لفتت الأبحاث إلى أن مراكز البيانات لا تقتصر على استهلاك الكهرباء فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى أنظمة تبريد مكثفة وكميات كبيرة من المياه، ما يضغط على الموارد المائية في مناطق عدة، خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتحذر التقارير من أن الحرارة الناتجة عن عمليات التبريد قد تسهم في تشكيل ما يُعرف بـ“الجزر الحرارية” حول مراكز البيانات، وهو ما سُجل في بعض المناطق مثل شمال فرجينيا في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا الغربية.
وفي السياق ذاته، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف استهلاك مراكز البيانات للكهرباء خلال السنوات المقبلة، ما قد يضع ضغوطًا إضافية على أهداف اتفاق باريس للمناخ الرامية إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية عند 1.5 درجة مئوية.
ويرى خبراء مناخ أن الذكاء الاصطناعي لا يُعد سببًا مباشرًا للاحتباس الحراري، لكنه يعمل كعامل مُسرّع لتداعياته، عبر رفع الطلب العالمي على الطاقة وتعميق البصمة الكربونية للقطاع الرقمي، ما قد يجعل موجات الحر أكثر تكرارًا وحدة في المستقبل.
ويحذر هؤلاء من أن “مراكز البيانات” قد تتحول إلى ملف رئيسي في الدبلوماسية المناخية خلال السنوات المقبلة، في ظل التنافس بين القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين حول السيطرة على البنية التكنولوجية العالمية.
ويخلص الخبراء إلى أن موجات الحر الحالية هي نتيجة تراكم عقود من الانبعاثات الصناعية، إلا أن التحول الرقمي المتسارع، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، يضيف طبقة جديدة من الضغط البيئي، تعمّق أزمة المناخ بدلًا من تخفيفها.