اتفاق مؤقت واختبار طويل
بعدما دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البيت الأبيض متعهداً بإنهاء "الحروب التي لا تنتهي"، يواجه اليوم اختباراً من نوع مختلف، يتمثل في إدارة مفاوضات مفتوحة مع إيران، وسط مخاوف من تحول الاتفاق المؤقت بين الجانبين إلى مسار تفاوضي طويل يستهلك الوقت من دون التوصل إلى تسوية نهائية.
رهان على كسب الوقت
يرى محللون أن طهران تعود إلى نهج تفاوضي اتبعته في جولات سابقة، يقوم على إطالة أمد المحادثات، وتأجيل القضايا الأكثر حساسية، مع تجنب تقديم تنازلات تمس ثوابتها، بما قد يحول الاتفاق المؤقت إلى أداة لإدارة الأزمة بدلاً من إنهائها.
اتفاق مؤقت دون تقدم نووي
كانت واشنطن وطهران قد توصلتا إلى مذكرة تفاهم أنهت المواجهة العسكرية، وأعادت فتح مضيق هرمز، ونصت على وقف التصعيد وبدء مفاوضات بشأن البرنامج النووي خلال مهلة زمنية تمتد 60 يوماً.
إلا أن مرور أسبوعين على دخول الاتفاق حيز التنفيذ لم يشهد انطلاق مفاوضات فعلية حول الملف النووي، بينما عادت الأطراف إلى مناقشة ملفات كان يُفترض حسمها، من بينها إدارة مضيق هرمز، والوضع في لبنان، وآلية الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
تكتيك تفاوضي متكرر
ويعتبر خبراء أن إعادة فتح الملفات بعد تحقيق تقدم محدود تمثل سمة متكررة في أسلوب التفاوض الإيراني، وهو النهج الذي رافق أيضاً المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015.
ويقول المسؤول الأمريكي السابق في وزارة الخارجية، ريتشارد نيفيو، إن تجربة المفاوضات منذ عام 2003 أظهرت قدرة إيران على تأجيل النقاش في القضايا النووية الجوهرية، والتركيز بدلاً من ذلك على الجوانب الإجرائية والشروط المسبقة لكسب مزيد من الوقت وتحسين موقعها التفاوضي.
معضلة ترامب
يمثل استمرار المفاوضات تحدياً سياسياً للرئيس ترامب، الذي سبق أن قال إن "إيران لم تربح حرباً قط، لكنها لم تخسر مفاوضات"، كما وعد خلال حملته الانتخابية بعدم الانخراط في نزاعات طويلة.
وفي المقابل، لا تبدو الإدارة الأمريكية مستعدة للعودة سريعاً إلى الخيار العسكري، ما يعزز احتمال استمرار المفاوضات لفترة غير محددة مع الإبقاء على الحد الأدنى من التفاهمات القائمة.
توازن هش
وبموجب الوضع الحالي، تمتنع واشنطن عن فرض عقوبات جديدة، بينما تحافظ إيران على مستوى برنامجها النووي دون توسيعه، بالتزامن مع استمرار تخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية.
ويرى المفاوض الأمريكي السابق آلان آير أن القيادة الإيرانية تفضّل الإبقاء على مسار تفاوضي مفتوح، حتى وإن اقتصر على خطوات شكلية، باعتبار أن عامل الوقت يصب في مصلحتها ويجنبها تقديم تنازلات استراتيجية.
انتكاسة ثم عودة للمباحثات
كانت واشنطن تراهن على المحادثات التي استضافتها قطر لإعادة إطلاق المسار السياسي قبل الانتقال إلى الملف النووي، إلا أن المواجهة العسكرية التي استمرت ثلاثة أيام أعادت التصعيد إلى الواجهة.
واندلعت المواجهة بعد اعتراض إيران على ممر ملاحي رعته سلطنة عمان بدعم أمريكي، وما تبعه من استهداف للسفن، قبل أن تنفذ الولايات المتحدة ضربات داخل إيران، لينتهي التصعيد باتفاق جديد على وقف القتال واستئناف المفاوضات.
ورغم ذلك، وصف ترامب اللقاءات اللاحقة مع المسؤولين الإيرانيين بأنها "ممتازة"، في إشارة إلى استمرار رهانه على الحل الدبلوماسي.
حدود الخيار العسكري
ورغم إقرار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو بإمكانية تعثر المفاوضات، فإن ترامب أبلغ مساعديه بأنه لا يفضل العودة إلى الحرب حتى إذا تجاوزت المحادثات مهلة الستين يوماً.
وأكد فانس أن اللجوء إلى القوة سيظل مرتبطاً فقط بمحاولات إيرانية لإعادة تطوير البرنامج النووي أو استئناف استهداف الملاحة البحرية.
مكاسب مؤقتة للطرفين
تنص مذكرة التفاهم على وقف الهجمات المتبادلة، والحفاظ على التهدئة الإقليمية، وإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز، مع الإبقاء على الوضع القائم بشأن البرنامج النووي والعقوبات.
وفي هذا الإطار، بدأت وزارة الخزانة الأمريكية تخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية، بما يسمح بزيادة الإيرادات النفطية، في خطوة تمنح الاقتصاد الإيراني متنفساً مالياً.
ويرى باحثون أن طهران تسعى إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية وتجنب مواجهة عسكرية جديدة، لكنها لا ترغب في تقديم تنازلات قد تضعف موقفها التفاوضي، بينما تستفيد إدارة ترامب من تجنب قرار رفع العقوبات بالكامل، الذي قد يواجه معارضة داخل الكونغرس.
متى ينهار الاتفاق؟
يحذر محللون من أن الاتفاق المؤقت قد ينهار إذا عادت المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، أو تصاعدت الحرب في لبنان، أو إذا خلصت واشنطن إلى أن طهران تستخدم المفاوضات للمماطلة دون استعداد لتسوية الملفات الأساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي ومستقبل ترتيبات مضيق هرمز.
بين التسوية والانهيار
يرى المدير السابق لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي، مايكل سينغ، أن مذكرة التفاهم الحالية قد تكون أول وآخر اتفاق يوقعه ترامب مع إيران، في ظل هشاشة التفاهمات القائمة وتعقيد الملفات العالقة، ما يجعل مستقبل العلاقة بين الجانبين مرهوناً بقدرتهما على تحويل الاتفاق المؤقت إلى تسوية دائمة، أو العودة مجدداً إلى دائرة التصعيد.