إيران بين التصعيد والتفاوض.. المتشددون يرفعون السقف

2026.06.30 - 11:00
Facebook Share
طباعة

تشهد الساحة السياسية في إيران تصاعدًا ملحوظًا في الضغوط التي يتعرض لها التيار الداعم لمسار التفاوض مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع كل جولة من التصعيد العسكري بين طهران وواشنطن، في وقت يستثمر فيه المحافظون المتشددون هذه التطورات لتعزيز خطابهم الرافض للدبلوماسية والتشكيك في جدوى التفاهمات الجارية.

 

ويرى خبراء أن موجة تبادل الضربات الأخيرة منحت خصوم مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين مساحة إضافية للتأكيد على أن الاتفاق، رغم طابعه المحدود، لم ينجح في منع التصعيد العسكري أو تحقيق أي انفراج اقتصادي ملموس كانت الحكومة الإيرانية تعوّل عليه، بحسب ما أوردت منصة "إيران إنترناشونال".

 

وفي مؤشر على اتساع رقعة المعارضة الداخلية للمسار التفاوضي، أصدر عدد من أعضاء مجلس خبراء القيادة بيانًا سياسيًا غير مسبوق، انتقدوا فيه أبرز بنود مذكرة التفاهم مع واشنطن، مؤكدين رفضهم إعادة فتح ملف مضيق هرمز، ومشددين على ضرورة إبقاء البرنامج النووي الإيراني خارج أي مفاوضات مع الجانب الأميركي.

 

كما دعا البيان إلى محاسبة المسؤولين عن اغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في خطوة عكست تصاعد حدة الخطاب المتشدد داخل المؤسسة السياسية والدينية في إيران.

 

وفي سياق متصل، نشرت صحيفة "كيهان" المحافظة افتتاحية لرئيس تحريرها حسين شريعتمداري، جدّد فيها الدعوات إلى الانتقام من ترامب، وهو ما اعتبره محللون مؤشرًا على تنامي نفوذ التيار الرافض لأي مسار انفتاحي تجاه الولايات المتحدة.

 

وبالتوازي مع ذلك، صعّد التيار المتشدد من هجماته على الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، معتبرًا أن المسار الدبلوماسي لم يحقق وقفًا مستدامًا لإطلاق النار ولم ينعكس على تحسين الأوضاع الاقتصادية أو تخفيف الضغوط المعيشية داخل البلاد.

 

وخلال الأسابيع الماضية، كثّفت وسائل إعلام محافظة، من بينها "كيهان" و"راجا نيوز"، إلى جانب حزب "بايداري"، انتقاداتها لاتفاق الإطار الممتد لـ60 يومًا، ووصفت مذكرة التفاهم بأنها "استسلام دبلوماسي تحت الضغط الغربي"، معتبرة أن إيران قدّمت تنازلات تمس خطوطها الحمراء دون الحصول على رفع شامل للعقوبات.

 

ويركّز الخطاب المتشدد على الربط بين استمرار الضغوط العسكرية والأزمة الاقتصادية، مؤكدًا أن المفاوضات مع الولايات المتحدة لم تحقق أي مكاسب ملموسة، وأن واشنطن تستغل المسار الدبلوماسي لإعادة ترتيب أوراقها بالتنسيق مع إسرائيل.

 

كما أصبحت الحوادث البحرية الأخيرة، إلى جانب بطء تنفيذ إجراءات تخفيف العقوبات، عناصر مركزية في خطاب المحافظين، الذين يرون أن إعادة فتح الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز جرت دون مقابل سياسي أو اقتصادي كافٍ.

 

وفي هذا الإطار، انتقد نواب محافظون، من بينهم كامران غضنفري ومحمود نبويان، قرار استئناف حركة الشحن في المضيق، معتبرين أن إيران تخلت عن إحدى أهم أوراق الضغط الاستراتيجية دون تحقيق مكاسب متناسبة.

 

في المقابل، وجد المحافظون البراغماتيون ووسائل الإعلام المقربة من الدولة أنفسهم في موقع دفاعي، إذ دافعوا عن الاتفاق باعتباره خطوة تكتيكية مؤقتة أقرّها النظام، وليس تسوية نهائية مع الولايات المتحدة، ما يعكس تحولًا تدريجيًا في مسار النقاش الداخلي لصالح خطاب المتشددين.

 

ورغم أن التطورات العسكرية الأخيرة لم تُحدث تحولًا جذريًا في موازين القوى داخل النظام الإيراني، فإنها عززت موقع القوى الرافضة للتفاوض، والتي باتت توظف كل جولة تصعيد لتأكيد أن المسار الدبلوماسي لم يحقق أهدافه السياسية والاقتصادية.

 

ويقدّر خبراء أن مستقبل المسار التفاوضي سيتوقف إلى حد كبير على مدى صمود وقف إطلاق النار، وعلى قدرة المفاوضات على إنتاج نتائج ملموسة، سواء في ما يتعلق بتخفيف العقوبات أو تحسين المؤشرات الاقتصادية.

 

وتواجه حكومة الرئيس مسعود بيزشكيان تحديًا مزدوجًا يتمثل في إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة من جهة، وإقناع النخب السياسية والدينية من جهة أخرى بأن الدبلوماسية لا تزال خيارًا قادرًا على تعزيز الأمن وتحسين الأوضاع الاقتصادية.

 

وفي حال استمرار التصعيد دون تحقيق مكاسب واضحة، قد تتراجع مساحة المناورة أمام الدبلوماسيين الإيرانيين، وفي مقدمتهم وزير الخارجية عباس عراقجي، بالتوازي مع ازدياد نفوذ الأصوات الداعية إلى تبني نهج أكثر تشددًا في التعاطي مع واشنطن.

 

ويخلص الخبراء إلى أن تأثير التصعيد العسكري على التوازنات الداخلية في إيران قد يكون أعمق من أثره العسكري المباشر، إذ يمنح كل جولة مواجهة إضافية للتيار المتشدد فرصة لتأكيد روايته بأن الدبلوماسية لم تحقق الأمن أو الانفراج الاقتصادي، ما قد يدفع المشهد الإيراني تدريجيًا نحو مزيد من التشدد إذا لم تظهر نتائج ملموسة للمسار التفاوضي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


ايران حرب الخليج ترامب خامنئي

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 6