باحثون يرصدون هبوطاً أرضياً في مكة خلال 9 سنوات

2026.06.29 - 21:11
Facebook Share
طباعة

كشفت دراسة علمية حديثة عن رصد هبوط تدريجي في أجزاء من مدينة مكة المكرمة نتيجة الاستنزاف المستمر للمياه الجوفية، حيث بلغ متوسط معدل الهبوط نحو 4 سنتيمترات سنوياً، بينما وصل في بعض المواقع إلى 15.2 سنتيمتراً، وفق قياسات اعتمدت على صور الأقمار الاصطناعية خلال الفترة بين عامي 2016 و2025.

 

وأوضحت الدراسة، التي أعدها الباحث يحيى مكي من قسم الجيوماتكس بكلية العمارة والتخطيط في جامعة الملك عبد العزيز، ونُشرت في دورية Civil Engineering Journal، أن الظاهرة ترتبط بانضغاط الطبقات الرسوبية المشبعة بالمياه عند انخفاض منسوب المياه الجوفية بسبب الضخ المكثف، وهو ما يؤدي إلى هبوط تدريجي في سطح الأرض.

 

وأشار الباحث إلى أن منطقة مكة تعتمد بصورة كبيرة على المياه الجوفية لتلبية احتياجات الشرب والزراعة، في حين يتجاوز معدل الاستهلاك قدرة الخزانات الجوفية على التجدد الطبيعي، الأمر الذي يزيد من احتمالات انضغاط التربة في بعض المناطق.

 

أظهرت النتائج أن أعلى معدلات الهبوط سُجلت في المناطق التي تضم تكوين العباسة ووحدات صخور الديوريت-بيروكسينيت، إذ تبين أن هذين التكوينين الجيولوجيين يرتبطان بصورة مباشرة بزيادة معدلات الهبوط عند ارتفاع وتيرة سحب المياه.

 

يقع تكوين العباسة شرق وجنوب شرق مكة، ويتكون من طبقات رسوبية قديمة تضم الحجر الرملي والطيني والحصى، وتمتاز بقدرتها الكبيرة على تخزين المياه الجوفية، إلا أن هذه الخاصية تجعلها أكثر عرضة للانضغاط عند استنزاف المياه بصورة مكثفة.

 

أما صخور الديوريت-بيروكسينيت فتعد من أقدم التكوينات الجيولوجية في غرب شبه الجزيرة العربية، وتنتشر ضمن الدرع العربي والمناطق الجبلية المحيطة بمكة، وتتميز بوجود شقوق وفوالق طبيعية تخزن المياه الجوفية، غير أن انخفاض المياه داخلها قد يغيّر توزيع الضغوط في

الصخور، بما يؤدي إلى تحركات أرضية موضعية أو هبوط تدريجي.

 

أكدت الدراسة أن رصد هذا الهبوط لا يعني وجود خطر مباشر على مدينة مكة، إذ إن الظاهرة تتم بصورة تدريجية، وترتبط بطبيعة التكوينات الجيولوجية وكميات المياه المستخرجة، وهي عوامل تخضع للمتابعة الفنية والدراسات المستمرة من الجهات المختصة.

 

اعتمد الباحث في قياس الهبوط على تقنية الرادار ذي الفتحة التركيبية (SAR)، الموجودة على قمري "سينتينل-1A" و"سينتينل-1B" التابعين لوكالة الفضاء الأوروبية، وهي تقنية قادرة على رصد تغيرات سطح الأرض بدقة تصل إلى بضعة مليمترات.

 

من خلال تحليل صور الرادار الملتقطة على مدى تسع سنوات، قارن الباحث بين معدلات تغير سطح الأرض وكميات المياه الجوفية المسحوبة، ثم ربط النتائج بالخرائط الجيولوجية وأنواع الصخور والتربة، ما أظهر علاقة مباشرة بين زيادة الضخ وارتفاع معدلات الهبوط.

 

ويرى مختصون أن الدراسة تمثل نموذجاً متقدماً في توظيف تقنيات الاستشعار عن بُعد، من خلال دمج بيانات الأقمار الاصطناعية مع المعلومات الجيولوجية والهيدرولوجية، وهو ما يتيح مراقبة الظواهر الأرضية بصورة أكثر دقة مقارنة بوسائل القياس التقليدية.

 

اقترحت الدراسة عدداً من الحلول للحد من استمرار الهبوط، من بينها تنفيذ برامج للتغذية الاصطناعية للخزانات الجوفية عبر ضخ مياه السيول أو المياه المعالجة ثلاثياً، بما يساعد على رفع ضغط المياه داخل الطبقات الجوفية وتقليل الانضغاط.

 

كما أوصت بوضع نماذج رقمية لإدارة استخراج المياه الجوفية، تحدد الحدود الآمنة لكل بئر، مع تقليل معدلات الضخ أو إيقافها عند بلوغ مستويات حرجة، إلى جانب اعتماد أنظمة مراقبة مستمرة باستخدام تقنية الرادار الفضائي لرصد أي تغيرات مبكرة في سطح الأرض.

 

وشددت الدراسة أيضاً على أهمية تقليل الاعتماد على المياه الجوفية في الأنشطة الزراعية كثيفة الاستهلاك، والتوسع في استخدام مياه التحلية والمياه المعالجة، إضافة إلى تطبيق تقنيات الري الحديثة وزراعة المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، بهدف الحفاظ على الخزانات الجوفية وتقليل مخاطر الهبوط الأرضي مستقبلاً.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 3