الذكرى الـ250 لاستقلال أمريكا بين الاحتفال والانقسام

2026.06.29 - 16:55
Facebook Share
طباعة

تستعد الولايات المتحدة لإحياء الذكرى الـ250 لإعلان استقلالها عن بريطانيا في الرابع من يوليو/تموز، وسط أجواء يطغى عليها الانقسام السياسي والاستقطاب الحزبي، الأمر الذي يلقي بظلاله على واحدة من أبرز المناسبات الوطنية التي اعتاد الأمريكيون الاحتفال بها عبر الألعاب النارية والمسيرات ورفع الأعلام.

 

وتأتي المناسبة في ظل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب سياساته في ملفات الهجرة والاقتصاد والسياسة الخارجية، إضافة إلى حضوره البارز في الفعاليات الرسمية الخاصة بالذكرى، ما دفع كثيرين إلى اعتبار أن الاحتفال بات مرتبطاً بالسياسة أكثر من كونه مناسبة وطنية جامعة.

 

الاحتفال تحت تأثير الانقسام:

 

ترى المؤرخة بيفرلي غيغ، من جامعة ييل، أن الاحتفال بعيد الاستقلال أصبح يحمل طابعاً حزبياً أكثر من أي وقت مضى، مشيرة إلى أن حالة التشاؤم المنتشرة بين الأمريكيين تعكس حجم الانقسام الذي تشهده البلاد.

 

أظهر استطلاع للرأي أجرته وكالة "رويترز" بالتعاون مع "إبسوس" أن واحداً من كل خمسة أمريكيين لا يعتزم الاحتفال بعيد الاستقلال هذا العام، بينهم ربع الديمقراطيين و8% من الجمهوريين، بينما أعرب اثنان من كل خمسة عن اعتقادهم بأن الولايات المتحدة قد لا تستمر 250 عاماً أخرى.

 

كما أظهر الاستطلاع تراجع الثقة بمستقبل البلاد لدى شريحة واسعة من المواطنين، في ظل استمرار الاستقطاب السياسي وتراجع التوافق حول القضايا الوطنية.

 

مواقف متباينة بين المواطنين:

 

تعكس مواقف الأمريكيين اختلافاً واضحاً في النظرة إلى المناسبة.

 

فالمعلمة المتقاعدة بيتسي هالسي أكدت أنها لن تشارك في الاحتفالات هذا العام، رغم احتفاظها بتذكارات من احتفالات الذكرى المئوية الثانية عام 1976، موضحة أنها لا تستطيع الاحتفال بينما تعترض على المسار الذي تسلكه البلاد.

 

في المقابل، يرى الجمهوري دان مارازو أن الولايات المتحدة تشهد مرحلة ازدهار، مؤكداً أنه سيحتفل بالمناسبة مع أفراد عائلته وأصدقائه، معتبراً أن مستوى المعيشة في بلاده يتفوق على كثير من دول العالم.

كما أجرت "رويترز" مقابلات مع أكثر من 20 من السكان والناشطين والمؤرخين والمسؤولين المنتخبين في مقاطعة باكس بولاية بنسلفانيا، التي تحولت إلى نموذج مصغر للانقسام السياسي والثقافي في الولايات المتحدة، بعدما حسمها ترامب في انتخابات 2024 بفارق أقل من 300

صوت من أصل نحو 400 ألف صوت.

 

 

بصمة ترامب على المناسبة:

 

منح ترامب الاحتفالات طابعاً خاصاً من خلال مبادرة "فريدم 250"، التي أطلقها البيت الأبيض بالشراكة مع القطاع الخاص، بالتوازي مع لجنة "أمريكا 250" التي شكّلها الكونغرس قبل سنوات للإعداد لفعاليات الذكرى.

 

يتصدر معرض "غريت أمريكان ستيت فير" قائمة الأنشطة، إلى جانب تجمع جماهيري يعتزم ترامب المشاركة فيه في الرابع من يوليو، الأمر الذي أثار انتقادات اعتبرت أن المناسبة الوطنية تتحول إلى منصة ذات طابع سياسي.

 

كما رفضت ولايات ذات أغلبية ديمقراطية وعدد من الفرق الموسيقية المشاركة في بعض الفعاليات بسبب ارتباطها المباشر بالرئيس، بالتزامن مع إعلان دار سك العملة الأمريكية إصدار قطعة نقدية تذكارية تحمل صورته.

 

وترى الأستاذة الجامعية تابيثا ديل أنجلو أن الاحتفال هذا العام لا يعبر، من وجهة نظرها، عن الولايات المتحدة بقدر ما يركز على الرئيس، مؤكدة أنها لن تشارك في الفعاليات.

 

 

مقاطعة باكس نموذج للانقسام:

 

تضم مقاطعة باكس عدداً من أبرز المواقع المرتبطة بحرب الاستقلال الأمريكية، لكنها أصبحت أيضاً ساحة لخلافات سياسية وثقافية متواصلة.

 

وشهدت المقاطعة نزاعات حول مزاعم تزوير الانتخابات، والمناهج الدراسية، وحظر بعض الكتب، إضافة إلى احتجاجات متكررة، ما جعلها تعكس حالة الانقسام التي تشهدها البلاد.

 

يرى كثير من السكان أن الاحتفال لم يعد قادراً على توحيد الأمريكيين كما كان في السابق، بل بات يثير تساؤلات حول معنى الهوية الوطنية وما إذا كانت القيم المشتركة ما تزال قادرة على تجاوز الانتماءات الحزبية.

 

في المقابل، يؤكد جيم وورثينغتون، أحد مؤيدي ترامب، أن مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة يمثل إنجازاً تاريخياً يستحق الاحتفال بغض النظر عن هوية الرئيس أو الخلافات السياسية.

 

كيف تُروى الرواية الأمريكية؟:

 

 

يشير مؤرخون إلى أن احتفالات الاستقلال تزامنت في محطات تاريخية سابقة مع أزمات كبيرة، إذ جاءت احتفالات عام 1876 بعد الحرب الأهلية، بينما أُقيمت احتفالات عام 1976 في ظل تداعيات حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت.

 

وأكدت المؤرخة بيفرلي غيغ أن كثيراً من المراحل التي بدت الأكثر اضطراباً في التاريخ الأمريكي أعقبتها تحولات مهمة، داعية إلى النظر إلى المرحلة الحالية في إطارها التاريخي.

 

من جانبها، أوضحت جينيفر مارتن، المديرة التنفيذية للجهة المشرفة على متنزه واشنطن كروسينغ التاريخي، أن القائمين على المتنزه عملوا على توثيق دور النساء والجنود السود والمدنيين في حرب الاستقلال، استجابة لاهتمام الزوار، مع الحرص على تقديم رواية دقيقة بعيداً عن

التأثيرات السياسية.

 

أما جون جودزيبا، الذي يجسد شخصية جورج واشنطن في فعاليات إعادة تمثيل معركة واشنطن كروسينغ، فيعتقد أن الأمريكيين سيجتمعون للاحتفال في الرابع من يوليو، حتى وإن عادت الخلافات السياسية إلى الواجهة في اليوم التالي.

 

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 9