شهدت العلاقات الدبلوماسية بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة موجة توتر جديدة، بعد تصريحات السفير الأمريكي لدى بريتوريا ليو برنت بوزيل الثالث، التي انتقد فيها ما تصفه الحكومة الجنوب أفريقية بسياسة “عدم الانحياز”، معتبراً أنها تمثل في الواقع خياراً سياسياً واضحاً في العلاقات الدولية.
وكتب السفير الأمريكي عبر منصة “إكس” أن استقبال جنوب أفريقيا لمسؤول إيراني رفيع، بالتزامن مع زيارة نائب الرئيس الجنوب أفريقي إلى الصين، يعكس – بحسب تعبيره – انحيازاً فعلياً لا يمكن تغليفه بشعار عدم الانحياز، مضيفاً أن الشعب الجنوب أفريقي يستحق نقاشاً صريحاً حول توجهات حكومته الخارجية.
كما أشار في منشور آخر إلى أن بريتوريا، وفق رؤيته، لا يمكنها الادعاء بأنها خارج الاصطفافات الدولية في الوقت الذي تعزز فيه علاقاتها مع دول تعتبرها واشنطن خصوماً استراتيجيين.
بريتوريا تؤكد استقلال سياستها الخارجية
في المقابل، ردت وزارة العلاقات الدولية والتعاون في جنوب أفريقيا بالتأكيد على تمسكها بمبدأ “عدم الانحياز” باعتباره أساس سياستها الخارجية، موضحة أن هذا المبدأ لا يعني الحياد، بل يشير إلى استقلالية القرار السياسي ورفض الانجرار إلى الصراعات الجيوسياسية بين القوى الكبرى.
وقال المتحدث باسم الوزارة كريسبين فيري إن بلاده لا تدخل عادة في سجالات علنية مع الدبلوماسيين المعتمدين لديها، إلا أن التصريحات الأخيرة تستدعي توضيحاً لموقف جنوب أفريقيا، مشدداً على أن بريتوريا تحتفظ بحقها في بناء علاقات ثنائية مع مختلف الدول وفق مصالحها الوطنية.
وأضاف أن الانتقادات الموجهة لجنوب أفريقيا بسبب علاقاتها مع الصين وإيران تتجاهل حقيقة أن العديد من هذه الدول ترتبط أيضاً بعلاقات دبلوماسية واقتصادية مع الولايات المتحدة نفسها، مؤكداً أن بلاده ستواصل استخدام القنوات الدبلوماسية الرسمية لمعالجة أي خلافات.
زيارات متزامنة تزيد حدة الجدل
وتزامنت التصريحات الأمريكية مع تحركات دبلوماسية لافتة، حيث شارك نائب الرئيس الجنوب أفريقي بول مشاتيلي في فعاليات اقتصادية في بكين، وأكد خلال زيارته التزام بلاده بتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الصين، كما التقى مسؤولين صينيين رفيعي المستوى.
وفي الوقت نفسه، استقبلت بريتوريا نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده، في إطار لقاءات رسمية تناولت العلاقات الثنائية، وهو ما دفع السفير الأمريكي إلى اعتبار أن هذه التحركات تعكس اصطفافاً سياسياً متزايداً.
خلفية التوتر بين البلدين
تأتي هذه التطورات في سياق علاقات متوترة أصلاً بين بريتوريا وواشنطن خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تولي الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب، التي وجهت اتهامات لجنوب أفريقيا تتعلق بقضايا داخلية وملفات حقوقية، وهو ما رفضته الحكومة الجنوب أفريقية واعتبرته تدخلاً في شؤونها الداخلية.
كما شهدت العلاقات خطوات تصعيدية متبادلة، شملت خلافات دبلوماسية وطرد دبلوماسيين، إضافة إلى تهديدات اقتصادية مرتبطة بالرسوم الجمركية ومراجعة الامتيازات التجارية في إطار برامج التعاون الأفريقي.
ويرى مسؤولون في جنوب أفريقيا أن سياستهم الخارجية تقوم على ما يصفونه بـ”الاستقلال الاستراتيجي”، في حين ترى واشنطن أن هذا التوجه يترجم عملياً إلى تقارب مع قوى منافسة للولايات المتحدة.
استمرار التباين في الرؤى
ورغم حدة التصريحات، يؤكد الجانبان تمسكهما بقنوات التواصل الدبلوماسي، إلا أن التباين في تفسير مفهوم “عدم الانحياز” بين الطرفين يبقى أحد أبرز مصادر التوتر.
وبينما تعتبره بريتوريا خياراً سيادياً يتيح لها تنويع شراكاتها الدولية، ترى واشنطن أن هذا الخيار لا يعفيها من تبعات الاصطفافات الفعلية في المشهد العالمي المتغير.