في وقت تعمل فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تثبيت اتفاق السلام مع إيران واحتواء تداعيات التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، برز الملف اللبناني بوصفه أحد أكثر القضايا تعقيدًا ضمن المقاربة الأمريكية الجديدة، بعدما انتقل من كونه ملفًا مستقلًا إلى بند أساسي على طاولة المفاوضات بين واشنطن وطهران.
وتشير معطيات إلى أن الإدارة الأمريكية تعتمد مسارين تفاوضيين متوازيين في التعامل مع لبنان؛ الأول يقوده وزير الخارجية ماركو روبيو من خلال التنسيق المباشر مع الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية، فيما يتولى نائب الرئيس جيه دي فانس إدارة الحوار مع إيران، في مسار يتناول مستقبل النفوذ الإيراني في لبنان ودور حزب الله ضمن أي تسوية إقليمية شاملة.
وبحسب تقرير نشرته مجلة "ذا أتلانتيك"، فإن هذا الواقع أوجد سابقة دبلوماسية تتمثل في إدارة مفاوضات تتعلق بدولة واحدة عبر مسارين منفصلين يقودهما مسؤولان أمريكيان يتبنيان رؤيتين مختلفتين، رغم تأكيد البيت الأبيض أن التحركين يندرجان ضمن استراتيجية موحدة يقودها الرئيس ترامب.
ويستند المسار الذي يقوده روبيو إلى مقاربة دبلوماسية تقليدية تقوم على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز العلاقة الرسمية بين بيروت وتل أبيب، بما يمهد لانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، ويتيح تعزيز سلطة الدولة وتقليص نفوذ حزب الله بصورة تدريجية.
في المقابل، يعتمد فانس نهجًا أكثر براغماتية يقوم على التفاوض المباشر مع إيران، بهدف التوصل إلى تفاهمات تدفع طهران إلى خفض دعمها لحزب الله مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية عليها وتحقيق تقدم في اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران.
ووفق التقرير، أصرت طهران خلال استئناف المفاوضات على إدراج الملف اللبناني ضمن جدول الأعمال، معتبرة أن أي اتفاق طويل الأمد لا يمكن أن يستثني القضايا الإقليمية المرتبطة بحلفائها، وهو ما دفع واشنطن إلى الموافقة على تضمين لبنان في مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان الأسبوع الماضي.
وتلفت المجلة إلى أن البند الأول من مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، المؤلفة من 14 بندًا، يتضمن ثلاث إشارات إلى لبنان، وينص على أن الاتفاق النهائي يجب أن يضمن "إنهاءً دائمًا للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان".
وبموجب هذا المسار، تجري واشنطن مباحثات مع طهران بشأن تقليص دعمها لحزب الله، من دون مشاركة مباشرة للحكومتين اللبنانية أو الإسرائيلية في تلك المحادثات، وهو ما تعتبره المجلة عاملًا يمنح إيران ورقة تفاوضية إضافية من خلال تأثيرها على الحزب في أي اتفاق نهائي.
في المقابل، حقق المسار الذي يقوده روبيو تقدمًا بعد توقيع مسؤولين من لبنان وإسرائيل اتفاقًا إطاريًا في مقر وزارة الخارجية الأمريكية، عقب أربعة أيام من المحادثات.
ويتضمن الاتفاق، بحسب التقرير، آلية لتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، والعمل على نزع سلاح حزب الله، إلى جانب تخصيص مساعدات إنسانية بقيمة 100 مليون دولار بالتنسيق مع الأمم المتحدة، فضلاً عن تقديم دعم إضافي للقوات المسلحة اللبنانية.
وأكد روبيو، عقب توقيع الاتفاق، أن واشنطن تدرك حجم التعقيدات التي تحيط بالملف اللبناني، مشيرًا إلى أن تنفيذ بنود الاتفاق سيواجه تحديات كبيرة على أرض الواقع.
أما فانس، فيتعامل مع الملف من زاوية مختلفة، إذ يركز على إنهاء الحرب سريعًا باعتبار ذلك إحدى أولويات الرئيس ترامب، ويرى أن على إسرائيل دعم نتائج التفاوض مع إيران وعدم عرقلة المسار السياسي.
وسبق لنائب الرئيس الأمريكي أن انتقد المواقف الإسرائيلية الرافضة للمفاوضات، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تمثل الحليف الأوثق لإسرائيل، وأن من مصلحة الحكومة الإسرائيلية دعم الجهود الأمريكية بدلًا من معارضتها.
وترى "ذا أتلانتيك" أن فرص نجاح المسارين لا تزال تواجه تحديات معقدة، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وتمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ببقاء القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان طالما استمرت المتطلبات الأمنية، وفق تعبيره.
وفي المقابل، يبقى احتمال استئناف هجمات حزب الله أو تجدد المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل من أبرز العوامل التي قد تعرقل المفاوضات وتقوض فرص التوصل إلى تسوية شاملة.
كما زادت التطورات الأخيرة في مضيق هرمز من الضغوط على مسار التفاهم، بعدما اعتبرت واشنطن الهجمات التي شهدها المضيق انتهاكًا لاتفاق وقف إطلاق النار، وردت عليها بضربات استهدفت مواقع عسكرية داخل إيران.
وينقل التقرير عن عدد من المحللين الإقليميين تحذيرات من أن إدراج لبنان ضمن المفاوضات الأمريكية الإيرانية قد يؤدي، خلافًا للأهداف المعلنة، إلى منح طهران نفوذًا أكبر في رسم مستقبل البلاد بدلًا من الحد من تأثيرها.
وفي هذا السياق، ترى الباحثة مونا يعقوبيان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن أي تسوية قابلة للاستمرار يجب أن ترتكز على تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، محذرة من أن التفاوض بشأن لبنان من دون مشاركة الحكومة اللبنانية قد يضعف مؤسساتها الرسمية ويمنح إيران وحزب الله دورًا أكبر في تحديد مستقبل البلاد.
وتصف يعقوبيان المشهد اللبناني بأنه يشبه "مكعب روبيك"، معتبرة أن نجاح أي حل يتوقف على قدرة مختلف الأطراف على التوفيق بين شبكة معقدة من التوازنات السياسية والأمنية والإقليمية.
وتخلص المجلة إلى أن إدارة ترامب تسعى إلى إبرام اتفاق يتجاوز في نطاقه الاتفاق النووي المبرم عام 2015، إلا أن توسيع أجندة المفاوضات لتشمل لبنان والاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب البرنامج النووي الإيراني، يجعل فرص التوصل إلى اتفاق أكثر تعقيدًا.
وترى "ذا أتلانتيك" أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان المساران اللذان يقودهما ماركو روبيو وجيه دي فانس سينجحان في إنتاج تسوية متماسكة، أم أن تشابك الملفات الإقليمية سيؤدي مجددًا إلى تعثر جهود السلام.