الحبتور والعبار... حوار يكشف مستقبل لبنان وسوريا

2026.06.28 - 13:17
Facebook Share
طباعة

قد لا يكون رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور قد جلس يومًا إلى طاولة واحدة مع محمد العبار لمناقشة مستقبل الاستثمار في لبنان وسوريا، لكن مسار كل منهما يعكس بوضوح واقعًا مختلفًا تعيشه الدولتان، ويقدم نموذجين متباينين في نظرة رأس المال إلى المنطقة.

 

الحبتور خرج من لبنان بعد تجربة استثمارية انتهت بخلاف قانوني وصل إلى التحكيم الدولي، في قضية تحولت إلى عنوان بارز لأزمة الثقة بين المستثمرين والدولة اللبنانية. وفي المقابل، يتجه العبار نحو سوريا، حيث تتزايد المؤشرات إلى انطلاق مشاريع مرتبطة بإعادة الإعمار، في ظل مساعٍ رسمية لاستقطاب الاستثمارات رغم التحديات السياسية والاقتصادية التي لا تزال تواجه البلاد.

 

ورغم اختلاف الظروف في البلدين، فإن الرسالة التي يقرأها المستثمرون تكاد تكون واحدة؛ فقرار الاستثمار لا يُبنى فقط على حجم المخاطر، بل على وضوح القواعد التي تحكم السوق.

 

فالاستثمار بطبيعته لا يهرب من البيئات الصعبة، لكنه يتردد في دخول الأسواق التي تغيب فيها الضمانات القانونية أو تصبح فيها العقود عرضة للتبدل، أو يفقد فيها القضاء والمصارف القدرة على حماية الحقوق.

 

ومن هذا المنطلق، لا تبدو تجربة الحبتور مجرد خلاف مالي مع الدولة اللبنانية، بل تحولت إلى مؤشر يتابعه المستثمرون عند تقييم بيئة الأعمال في لبنان، باعتبار أن أي نزاع استثماري لا يُقاس بنتيجته المالية فقط، وإنما بالطريقة التي تُدار بها العلاقة بين الدولة ورأس المال.

 

في المقابل، فإن اهتمام العبار بالسوق السورية لا يعني بالضرورة أن سوريا أصبحت أكثر استقرارًا من لبنان، لكنه يعكس وجود رؤية استثمارية يعتبرها كثيرون أكثر وضوحًا في هذه المرحلة، مع إعلان دمشق نيتها إطلاق مشاريع إعادة إعمار وفتح المجال أمام الرساميل الخاصة للمشاركة فيها.

 

فالمستثمر لا يقارن بين دولة خرجت من حرب وأخرى تعيش أزمة اقتصادية، بل يقارن بين بيئة يستطيع التنبؤ بقراراتها وأخرى تتبدل فيها المعادلات بصورة مستمرة.

 

ولهذا السبب، فإن أول ما يبحث عنه رأس المال ليس حجم الأرباح المحتملة، وإنما مستوى الحماية القانونية، واستقلال القضاء، واحترام العقود، واستقرار السياسات الاقتصادية.

 

وفي لبنان، أعاد النقاش الدائر حول مشروع "الإقامة الذهبية" فتح باب التساؤلات بشأن قدرة الدولة على استعادة ثقة المستثمرين. فالإقامة قد تشكل عنصرًا جاذبًا في دول تمتلك بيئة اقتصادية مستقرة، لكنها لا تكفي وحدها لإقناع المستثمر بضخ أمواله إذا بقيت الملفات الجوهرية، مثل الإصلاحات المالية، والقطاع المصرفي، واستقلال القضاء، عالقة من دون حلول.

 

وتجارب الدول التي نجحت في استقطاب الاستثمارات تؤكد أن برامج الإقامة المميزة جاءت تتويجًا لمنظومة اقتصادية وقانونية متكاملة، ولم تكن يومًا البديل عن الإصلاحات أو المدخل إليها.

 

وفي المقابل، يبرز المشهد السوري بصورة مختلفة، إذ إن الرهان الحالي يقوم على استثمار مرحلة إعادة الإعمار، مع محاولة تقديم رؤية اقتصادية أكثر وضوحًا للمستثمرين، رغم استمرار التحديات الأمنية والسياسية.

 

وهنا تكمن المفارقة؛ فالمستثمر يستطيع احتساب كلفة إعادة بناء مدينة أو مشروع، لكنه يعجز عن تقدير كلفة الغموض السياسي، أو ضعف المؤسسات، أو غياب الضمانات القانونية.

 

ومن هذا المنطلق، فإن المنافسة الحقيقية بين لبنان وسوريا لن تكون على الأبراج أو الفنادق أو المشاريع العقارية، بل على بناء بيئة مؤسساتية توفر الثقة، وتحمي الاستثمارات، وتمنح أصحاب رؤوس الأموال القدرة على التخطيط على المدى الطويل.

 

وفي المحصلة، لا تختصر تجربة الحبتور والعبار قصة رجلَي أعمال، بل تعكس مسارين مختلفين في قراءة المستقبل. الأول يذكر بأن رأس المال لا ينسى التجارب التي مر بها، والثاني يؤكد أن المستثمر يبحث دائمًا عن الأسواق التي تمنحه رؤية واضحة للمستقبل.

 

ويبقى السؤال المطروح أمام لبنان: هل تكفي المبادرات الترويجية لاستعادة المستثمرين، أم أن الطريق يبدأ بإصلاح مؤسسات الدولة وتعزيز الثقة بمنظومتها القانونية والمالية؟

 

فالاستثمار لا يقوم على الشعارات، ولا على المؤتمرات، ولا حتى على الحوافز وحدها، بل على عنصر واحد يبقى الأكثر تأثيرًا في قرارات المستثمرين... الثقة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


الحبتور العبار سوريا لبنان

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 3