التسول في سوريا.. أطفال بين الفقر وشبكات الاستغلال

2026.06.27 - 10:05
Facebook Share
طباعة

تحولت ظاهرة التسول في سوريا من مشكلة اجتماعية مرتبطة بالفقر إلى ملف معقد تتداخل فيه تداعيات الحرب، والأزمات الاقتصادية، والتفكك الأسري، وعمالة الأطفال، مع مخاوف متزايدة من الاستغلال والاتجار بالبشر، في وقت تحاول فيه الجهات الرسمية احتواء الظاهرة عبر حملات ميدانية وبرامج تأهيل.

 

 

رصد تحقيق ميداني أجرته صحيفة النهار انتشار الأطفال عند إشارات المرور وفي الأسواق وأمام دور العبادة في دمشق، حيث يعمل بعضهم في بيع المحارم والورود والمياه والعلكة، بينما يلجأ آخرون إلى استجداء المارة. وأظهرت المقابلات مع عدد من الأطفال

 

غياب التعليم، وعدم معرفة بعضهم أعمارهم الحقيقية أو صفوفهم الدراسية، إضافة إلى تناقض إجابات آخرين وخوفهم من الحديث عن ظروفهم.

 

 

وروى التحقيق قصة طفل يعمل في بيع المحارم منذ سنوات، فيما ظهرت طفلة أخرى عند أحد الجوامع غير قادرة على تحديد عمرها أو أي معلومات أساسية عن حياتها، في حين رفضت طفلة تعمل ببيع الورود الانتقال إلى مركز للرعاية والتعليم، مؤكدة أنها لا

 

تستطيع ذلك، ما أثار تساؤلات حول طبيعة الجهات التي تتحكم بوجود بعض الأطفال في الشوارع.

 

 

وأكدت رئيسة مكتب مكافحة التسول والتشرد، خزامة النجاد، أن التسول لم يعد يقتصر على طلب المال مباشرة، بل اتخذ أشكالاً متعددة، منها بيع المحارم والورود والمياه والعلكة عند إشارات المرور، مشيرة إلى أن هذه الأساليب تجعل المواطنين يقدمون

 

المال بصورة غير مباشرة تحت غطاء شراء سلعة بسيطة.

 

 

كما نقل التحقيق شهادات لسائقي سيارات أجرة وأصحاب محال تجارية تحدثوا عن مشاهدة أشخاص يجمعون الأطفال في نهاية اليوم، أو يشرفون على عملهم في مواقع محددة، فيما رفض بعض الأطفال الحديث عن أوضاعهم وأحالوا الصحفيين إلى أشخاص

 

بالغين قالوا إنهم يعملون لديهم، وهو ما يثير مؤشرات على احتمال وجود استغلال للأطفال، من دون وجود أدلة رسمية تثبت شبكات منظمة لإدارة التسول.

 

 

وأشار إلى أن استمرار وجود الأطفال في الشارع يجعلهم عرضة للاستغلال والعنف والإدمان والاتجار بالبشر، خصوصاً إذا ثبت إجبارهم على العمل أو التسول لصالح آخرين، وهو ما دفع فرع مكافحة الاتجار بالأشخاص إلى المشاركة في حملات معالجة الظاهرة.

 

 

توضح وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أنها أطلقت حملة وطنية لمعالجة التسول في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وشكلت لجنة تضم وزارات ومؤسسات حكومية ومنظمات مجتمع مدني، بهدف الانتقال من الملاحقة الأمنية إلى المعالجة الاجتماعية وإعادة التأهيل.

 

 

شملت الخطة تأهيل مركز باب مصلى لاستقبال الفتيات دون 18 عاماً بطاقة استيعابية تقارب 120 حالة، ومركز الكسوة لاستقبال الذكور دون 18 عاماً بطاقة تتراوح بين 150 و200 حالة، مع توفير الإقامة والرعاية الصحية والدعم النفسي والتعليم ومحو الأمية وإعادة الدمج المدرسي ومتابعة الأوضاع القانونية للأطفال.

 

 

وبحسب النجاد، جرى تنفيذ نحو 18 حملة ميدانية حتى الآن، تم خلالها التعامل مع 465 حالة معظمها لأطفال، فيما تشير تقديرات أخرى إلى وجود نحو 1500 طفل في شوارع دمشق وريفها، سُحب منهم 253 طفلاً خلال إحدى مراحل الحملة، إلا أن كثيرين عادوا إلى الشارع بعد تسلمهم من ذويهم، رغم توقيع أولياء الأمور تعهدات بعدم إعادتهم إلى التسول.

 

 

يجرّم قانون العقوبات السوري بعض أشكال التسول، إذ تنص المادة 596 على معاقبة القادر على العمل الذي يمارس التسول بصورة اعتيادية بالحبس مع الشغل من شهر إلى ستة أشهر، كما يسمح بإحالة المحتاجين إلى دور الرعاية أو التأهيل، إلا أن مختصين يرون أن الحلول القانونية وحدها لا تكفي، في ظل ارتباط الظاهرة بالفقر والبطالة والنزوح والتفكك الأسري.

 

 

وأكد مختصون في الصحة النفسية والعمل الاجتماعي أن الطفل الموجود في الشارع غالباً لا يكون صاحب قرار، بل ضحية ظروف أسرية أو استغلال مباشر، مشددين على أن المعالجة الحقيقية تبدأ بإبعاده عن الشارع، وإعادته إلى المدرسة، وتوفير بيئة آمنة ودعم نفسي وتأهيل مهني يمنع عودته إلى التسول مستقبلاً.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 8