بداية تنفيذ التفاهمات
بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، أعلنت الأمم المتحدة إطلاق عملية واسعة لإجلاء السفن والبحارة العالقين في المنطقة، في خطوة تعكس بدء ترجمة التفاهمات التي أعقبت الاتفاق الأميركي – الإيراني، وتفتح في الوقت نفسه الباب أمام مرحلة جديدة من النقاشات المتعلقة بمستقبل إدارة المضيق وآليات تشغيله.
تحرك أممي واسع
أعلنت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة بدء تنفيذ خطة شاملة لإجلاء نحو 11 ألف بحّار تقطعت بهم السبل في الخليج خلال فترة التوترات العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وجاءت الخطوة بعد إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة عقب اتفاق واشنطن وطهران، الذي أنهى مرحلة من الإغلاق استمرت قرابة ثلاثة أشهر ونصف.
وقال الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز إن العملية تُنفذ بالتنسيق مع إيران وسلطنة عُمان والولايات المتحدة وقطاع الشحن البحري، مشيراً إلى الحصول على الضمانات الأمنية اللازمة وإجراء تقييمات ملاحية شاملة لضمان سلامة حركة السفن.
600 سفينة بانتظار العبور
وتقدّر الأمم المتحدة أن نحو 600 سفينة ما زالت عالقة في المنطقة نتيجة تداعيات الحرب الأخيرة، فيما أظهرت بيانات شركات متخصصة في تتبع الملاحة البحرية عبور أكثر من 170 سفينة منذ إعادة فتح المضيق.
وتسعى الخطة الأممية إلى تسريع حركة المرور البحري عبر مسارين مخصصين للملاحة يتم تشغيلهما بالتنسيق مع السلطات العُمانية لضمان انسيابية العبور وتقليل الازدحام البحري المتراكم.
معركة ما بعد الفتح
ورغم استئناف الملاحة، لا تزال الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل المضيق مطروحة بقوة.
فمذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية تنص على إبقاء المضيق مفتوحاً أمام السفن التجارية من دون رسوم عبور لمدة 60 يوماً، على أن تُبحث بعد ذلك ترتيبات الإدارة المستقبلية وآليات المرور بالتنسيق بين إيران وسلطنة عُمان ودول المنطقة.
في المقابل، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن حركة الملاحة يجب أن تبقى مجانية حتى بعد انتهاء المهلة المحددة، مستبعداً فرض أي رسوم إلا ضمن ترتيبات تقررها الولايات المتحدة.
تفاهمات عُمانية – إيرانية
وفي موازاة ذلك، كثفت مسقط وطهران مشاوراتهما حول مستقبل إدارة المضيق، وأكدتا في بيان مشترك التزامهما بالحفاظ على أمن الملاحة وضمان استمرار عبور السفن وفق قواعد القانون الدولي.
كما اتفق الجانبان على إنشاء فريق عمل مشترك لمتابعة الملفات المرتبطة بإدارة الممر البحري، وإجراء مشاورات مع الدول الخليجية والجهات المعنية الأخرى بشأن الترتيبات المستقبلية.
جدل الرسوم والسيادة
وتبرز مسألة فرض رسوم على السفن العابرة كأحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.
فبينما تتمسك دول الخليج بمبدأ حرية الملاحة من دون أعباء إضافية، تشير مناقشات إيرانية إلى إمكانية طرح رسوم مرتبطة بالخدمات البيئية والأمنية المقدمة في المضيق.
ويرى خبراء أن أي توجه لفرض رسوم إلزامية قد يثير اعتراضات دولية واسعة، نظراً لأهمية هرمز في حركة التجارة والطاقة العالمية، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط المنقولة بحراً حول العالم.
تحركات إقليمية متسارعة
بالتزامن مع هذه التطورات، تشهد المنطقة حراكاً دبلوماسياً متزايداً لدفع التفاهمات المتعلقة بالمضيق، وسط معلومات عن مباحثات منفصلة بين إيران ودول الخليج والعراق تركز حصراً على مستقبل إدارة هرمز بعيداً عن المسار التفاوضي الأميركي – الإيراني.
كما تتجه الأنظار إلى جهود إقليمية أوسع تهدف إلى إطلاق حوار خليجي – إيراني خلال المرحلة المقبلة لبحث الملفات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بأمن الممرات البحرية.
من المواجهة إلى التفاوض
يبدو أن مضيق هرمز خرج مؤقتاً من دائرة المواجهة العسكرية المباشرة، لكنه دخل مرحلة جديدة عنوانها التفاوض على النفوذ والإدارة وآليات التشغيل. وبين عمليات الإجلاء الأممية، واستئناف الملاحة، والخلافات حول الرسوم والسيادة، يتحول المضيق تدريجياً من ساحة توتر أمني إلى ملف سياسي ودبلوماسي معقد ستكون نتائجه مؤثرة على أمن الطاقة والتجارة العالمية لسنوات مقبلة.