تتزايد التساؤلات في تايوان بشأن مستقبل الدعم العسكري الأمريكي، مع استمرار تأجيل صفقة أسلحة تبلغ قيمتها 14 مليار دولار وتنامي النقاش داخل الولايات المتحدة حول كلفة الدفاع عن الجزيرة في مواجهة الصين.
رغم تأكيد واشنطن المتكرر التزامها بأمن تايوان، فإن التطورات الأخيرة أثارت مخاوف داخل تايبيه من احتمال إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في شرق آسيا، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة والعلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة والصين.
تعتمد السياسة الأمريكية تجاه تايوان منذ عام 1979 على ما يعرف بـ"الغموض الاستراتيجي"، حيث تعترف واشنطن دبلوماسياً بالصين، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بالتزام غير محدد بمساعدة تايوان على الدفاع عن نفسها في حال تعرضها لأي هجوم.
غير أن المعادلة التقليدية أصبحت أكثر تعقيداً خلال السنوات الأخيرة مع التوسع السريع في القدرات العسكرية الصينية، الأمر الذي رفع كلفة أي تدخل أمريكي محتمل في مضيق تايوان، وأعاد فتح النقاش حول جدوى الاستمرار في السياسة الحالية.
وتحذر دوائر بحثية وأمنية أمريكية من أن أي مواجهة عسكرية بين واشنطن وبكين بسبب تايوان قد تتحول إلى صراع واسع النطاق يحمل تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة على المستوى العالمي، مع احتمالات تصعيد بين القوتين النوويتين.
برزت داخل الأوساط السياسية والفكرية الأمريكية آراء تدعو إلى مراجعة الالتزامات التقليدية تجاه الجزيرة، انطلاقاً من تقديرات ترى أن الحفاظ على التعهدات العسكرية الحالية قد يفرض أعباء مالية وعسكرية متزايدة على الولايات المتحدة في ظل تحديات داخلية متنامية.
في المقابل، ترى أطراف أخرى أن التخلي عن تايوان أو تقليص الدعم المقدم لها قد يضعف مصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ويمنح الصين فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي.
ازدادت المخاوف التايوانية بعد استمرار تعليق صفقة أسلحة أمريكية بقيمة 14 مليار دولار، والتي لم يصدر قرار نهائي بشأنها منذ زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين خلال مايو الماضي.
وأثار التأجيل تكهنات حول احتمال استخدام ملف التسليح كورقة تفاوضية في العلاقات الأمريكية الصينية، خصوصاً مع تداول تقارير تحدثت عن مناقشات تناولت الملف خلال اللقاءات بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ.
لكن الإدارة الأمريكية نفت وجود أي تغيير رسمي في موقفها تجاه تايوان، حيث أكد وزير الخارجية ماركو روبيو استمرار الدعم الأمريكي للجزيرة، مشدداً على أن قرارات التسليح تخضع لاعتبارات تتعلق بالمخزونات العسكرية ومتطلبات الأمن القومي الأمريكي.
في المقابل، تواصل تايوان الضغط من أجل تسريع صفقات التسليح وتعزيز قدراتها الدفاعية، في ظل تصاعد التحركات العسكرية الصينية حول الجزيرة.
تشهد المنطقة نشاطاً عسكرياً صينياً متزايداً، مع تسيير سفن حربية وطائرات عسكرية بالقرب من تايوان بشكل شبه يومي، ضمن استراتيجية تهدف إلى تكثيف الضغوط على الحكومة التايوانية وإظهار القدرة على فرض النفوذ في محيط الجزيرة.
كما نفذت سفن أبحاث صينية خلال الأشهر الماضية عمليات مسح بحري شرق تايوان، وهي تحركات تعتبرها بكين أنشطة علمية طبيعية، بينما تنظر إليها تايبيه باعتبارها جزءاً من جهود جمع المعلومات وتعزيز الجاهزية العسكرية.
وتصاعد التوتر أيضاً على خلفية اعتراض الصين على المحادثات الجارية بين اليابان والفلبين بشأن ترسيم الحدود البحرية شرق تايوان، ما دفع بكين إلى زيادة دورياتها البحرية وتحركات خفر السواحل في المنطقة.
يرى الرئيس التايواني لاي تشينغ دي أن هذه التحركات تمثل محاولة لتوسيع النفوذ الصيني تحت غطاء الأنشطة المدنية والبحرية، محذراً من انعكاساتها على الاستقرار الإقليمي.
اقتصادياً، تكتسب تايوان أهمية استراتيجية استثنائية بفضل استضافتها شركة TSMC، أكبر منتج للرقائق الإلكترونية المتقدمة في العالم، ما يجعل الجزيرة محوراً رئيسياً في سلاسل الإمداد العالمية الخاصة بالتكنولوجيا وأشباه الموصلات.
ويعتقد عدد من الخبراء أن الاعتماد المتبادل بين الصين والولايات المتحدة على صناعة الرقائق التايوانية قد يشكل عاملاً رادعاً أمام اندلاع مواجهة عسكرية شاملة، نظراً للخسائر الاقتصادية الضخمة التي قد تنجم عن تعطيل هذا القطاع الحيوي.
ومع استمرار الجدل داخل الولايات المتحدة حول كلفة الدفاع عن تايوان، بالتوازي مع تنامي القدرات العسكرية الصينية، تبقى الأسئلة مفتوحة بشأن مستقبل العلاقة الأمنية بين واشنطن وتايبيه، وقدرة سياسة الغموض الاستراتيجي على منع اندلاع أزمة جديدة في مضيق تايوان خلال السنوات المقبلة.