بزشكيان يواجه معارضي الاتفاق داخل إيران

2026.06.23 - 20:46
Facebook Share
طباعة

أعادت تحذيرات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من مخاطر الانقسام الداخلي تسليط الضوء على حجم الجدل الدائر داخل مؤسسات الحكم بشأن التفاهم المبرم مع الولايات المتحدة. فالتصريحات التي أطلقها الرئيس الإيراني لم تُفهم باعتبارها دعوة عامة إلى التماسك الوطني فحسب، بل بدت محاولة لاحتواء خلافات سياسية متصاعدة حول الاتفاق وحدود التفويض الممنوح للفريق المفاوض.

 

خلال كلمة نشرتها الرئاسة الإيرانية، أكد بزشكيان أن أي مواقف أو تصريحات تؤدي إلى تأجيج الخلافات الداخلية تخدم خصوم إيران، مشيراً إلى أن بعض السجالات السياسية تصب في الاتجاه الذي يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأجهزة الاستخبارات الأميركية.

كما أوضح أنه يملك القدرة على الرد على كثير من الانتقادات الموجهة للحكومة والفريق المفاوض، لكنه يفضل تجنب السجالات العلنية حفاظاً على وحدة الموقف الإيراني في مرحلة يراها شديدة الحساسية.

 

تكشف تصريحات الرئيس الإيراني انتقال الجدل المرتبط بالتفاهم مع واشنطن من إطار التفاوض الخارجي إلى ساحة النقاش الداخلي، حيث برزت تساؤلات تتعلق بمستقبل السياسة الإيرانية وحدود التنازلات المقبولة في أي تسوية محتملة.

 

تدور الخلافات الحالية حول ثلاثة محاور رئيسية؛ أولها حدود التفويض الممنوح للفريق المفاوض، وثانيها طبيعة موقف المرشد الإيراني من الاتفاق، وثالثها مدى تأثير التفاهم على أوراق القوة التي تمتلكها طهران في عدد من الملفات الإقليمية.

 

يرى مؤيدو المسار التفاوضي أن الاتفاق يوفر فرصة لتخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة جزء من الموارد الإيرانية المجمدة وفتح المجال أمام تحسين الأوضاع المعيشية، في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

 

أما المعارضون فيعتبرون أن بعض بنود التفاهم قد تؤدي إلى تقليص هامش الحركة الإيراني في ملفات استراتيجية، وتحد من قدرة طهران على توظيف أدوات النفوذ التي تمتلكها في المنطقة.

 

يحتل موقف المرشد الإيراني مركزاً أساسياً في النقاشات الدائرة، بعدما تضمن بيانه بشأن التفاهم إشارات فسحت المجال أمام تفسيرات متعددة. فالمؤيدون استندوا إلى موافقته على المضي في المسار التفاوضي، بينما ركز المنتقدون على إشارته إلى أنه كان يمتلك رؤية مختلفة من حيث المبدأ قبل منح الضوء الأخضر للمفاوضات.

 

فتح التباين في تفسير رسالة المرشد باباً واسعاً أمام السجال السياسي بشأن ما إذا كان الاتفاق يمثل قراراً نهائياً للدولة أم موافقة مشروطة تتيح استمرار الاعتراض على بعض بنوده.

 

سعى بزشكيان إلى حسم الجدل بالتأكيد على أن التفاهم جاء نتيجة عمل جماعي داخل مؤسسات الدولة، وأن أعضاء المجلس الأعلى للأمن القومي أيدوا المضي في المسار التفاوضي بصورة شبه كاملة، باستثناء تحفظات محدودة صدرت عن بعض الشخصيات.

 

خرجت الخلافات إلى العلن من خلال مواقف شخصيات برلمانية وسياسية محسوبة على التيار المحافظ المتشدد، كان أبرزها النائب محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني.

 

اعتبر نبويان أن الاتفاق يعيد إنتاج تجربة الاتفاق النووي المبرم عام 2015، محذراً من انعكاسات محتملة على ملفات تتعلق بمضيق هرمز والعقوبات والأموال الإيرانية المجمدة، ومشككاً في حجم المكاسب التي يمكن أن تحققها طهران من التفاهم الجديد.

 

برز أيضاً النائب أمير حسين ثابتي، المعروف بقربه من التيار المرتبط بسعيد جليلي، عبر انتقادات مباشرة للرئيس بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، معتبراً أن واشنطن حصلت عبر التفاوض على مكاسب لم تتمكن من تحقيقها خلال المواجهة العسكرية.

 

لا تقتصر الخلافات على مواجهة بين الحكومة والتيار المحافظ المتشدد، بل تمتد إلى داخل المعسكر الأصولي نفسه. فمحمد باقر قاليباف، أحد أبرز رموز التيار المحافظ ورئيس البرلمان الإيراني، تبنى موقفاً أكثر قرباً من الحكومة في هذا الملف، داعياً إلى دعم

الجهود التفاوضية وعدم عرقلتها.

 

أكد قاليباف أن تعطيل المفاوضات كان سيقود إلى مزيد من التوترات الإقليمية، معتبراً أن المشاركة في محادثات سويسرا ساهمت في تجنب سيناريوهات أكثر تعقيداً على مستوى المنطقة.

 

تكشف المواقف المتباينة أن الانقسام الحالي لا يقتصر على التنافس التقليدي بين الإصلاحيين والمحافظين، بل يشمل خلافاً داخل التيار المحافظ نفسه بين شخصيات براغماتية ترى في التفاهم وسيلة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وأخرى متشددة تخشى أن يتحول الاتفاق إلى سلسلة تنازلات سياسية طويلة الأمد.

 

في خلفية المشهد يبرز اسم سعيد جليلي بوصفه المرجعية السياسية الأهم للتيار المعترض على المسار الحالي. فرغم خسارته الانتخابات الرئاسية أمام بزشكيان، لا يزال يحظى بحضور مؤثر داخل الأوساط البرلمانية والإعلامية المحافظة.

 

يستند المقربون من جليلي إلى تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 في انتقاداتهم، معتبرين أنها تقدم نموذجاً لما يصفونه بمخاطر الثقة بالغرب وتقديم التنازلات دون الحصول على ضمانات كافية.

 

لا تشير المعطيات المتوافرة إلى وجود انقسام حاد داخل النظام الإيراني، لكنها تكشف بوضوح تباينات سياسية حقيقية بشأن كيفية إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة وحدود المرونة المقبولة خلال المفاوضات.

 

انطلاقاً من تلك المعطيات، تبدو تحذيرات بزشكيان جزءاً من محاولة لاحتواء السجال الداخلي ومنع تحوله إلى عامل ضغط إضافي على الفريق المفاوض، انطلاقاً من قناعة لدى الرئاسة الإيرانية بأن نجاح أي تفاهم خارجي يتطلب جبهة داخلية متماسكة وقدراً أكبر من التوافق السياسي في مرحلة شديدة الحساسية.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 7