تُعد قضية اختفاء أطفال اليهود اليمنيين من أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ إسرائيل، إذ ما زالت تلقي بظلالها على المجتمع الإسرائيلي بعد أكثر من 75 عاماً على بدايتها. وتتمحور القضية حول اختفاء آلاف الأطفال من عائلات مهاجرة، معظمها من أصول
يمنية، خلال السنوات الأولى من قيام إسرائيل، وسط اتهامات متواصلة للمؤسسات الرسمية بالتستر على الحقيقة وعدم الكشف الكامل عن مصير الضحايا.
تجدد الجدل حول الملف أخيراً بعد الكشف عن إغلاق لجنة حكومية شُكلت للتحقيق في دور المنظومة الصحية الإسرائيلية في القضية، من دون إعلان نتائج نهائية أو تقديم استنتاجات واضحة للرأي العام.
عملية "بساط الريح":
تعود جذور القضية إلى الفترة الممتدة بين عامي 1949 و1950، عندما نفذت إسرائيل عملية "بساط الريح" التي جرى خلالها نقل نحو 50 ألف يهودي من اليمن إلى إسرائيل جواً.
بعد وصول المهاجرين، أُسكنت آلاف العائلات في مخيمات ومراكز استقبال مؤقتة، وسط ظروف معيشية وصحية صعبة. وخلال تلك المرحلة بدأت تتكرر روايات العائلات عن نقل أطفالها إلى مستشفيات أو دور رعاية، قبل أن تتلقى لاحقاً إشعارات بوفاتهم.
لكن كثيراً من الأسر أكدت أنها لم تتسلم جثامين أطفالها، ولم تحصل على شهادات وفاة رسمية، كما لم تُبلغ بمواقع الدفن، الأمر الذي أثار شكوكاً واسعة حول الروايات الرسمية.
قصة زيونا تساروم:
تُعد قصة الطفلة زيونا تساروم من أشهر الحالات المرتبطة بالملف.
فقد هاجر والداها، إيزار وسارة تساروم، من صنعاء إلى إسرائيل واستقرا في مخيم "عتليت" قرب حيفا. وبعد ولادة الطفلة بفترة قصيرة، نُقلت إلى المستشفى، قبل أن تتلقى الأسرة بلاغاً يفيد بوفاتها ودفنها.
وعاشت العائلة سنوات طويلة مقتنعة بهذه الرواية، إلى أن اكتشف أحد أقاربها العاملين في دائرة الإحصاء الإسرائيلية خلال أواخر الستينيات أن الطفلة ما زالت على قيد الحياة، وأنها تبنتها عائلة إسرائيلية ثرية في حيفا تربطها علاقات بشخصيات نافذة.
وأصبحت هذه القصة واحدة من أبرز الأمثلة التي استند إليها ناشطون وعائلات للتشكيك في الروايات الرسمية.
نحو ألفي طفل مفقود:
تشير تقديرات منظمات حقوقية وجمعيات تمثل العائلات المتضررة إلى اختفاء ما يقارب 2000 طفل خلال السنوات الأولى من قيام إسرائيل.
رغم ارتباط القضية أساساً بالأطفال اليمنيين، فإنها شملت أيضاً أطفالاً من عائلات قدمت من تونس وليبيا والعراق ودول البلقان وشمال أفريقيا.
وتؤكد العائلات أن معظم الحالات اتبعت النمط نفسه، حيث يُنقل الطفل إلى جهة طبية أو مركز رعاية، ثم تُبلغ الأسرة بوفاته دون رؤية الجثمان أو المشاركة في مراسم الدفن أو الحصول على وثائق رسمية.
تقرير صادم عام 2021:
عاد الملف إلى الواجهة بقوة بعد إعداد تقرير داخلي عام 2021 من قبل البروفيسور إيتامار غروتو والدكتورة شلوميت أفني.
وتضمن التقرير معطيات أثارت صدمة واسعة داخل إسرائيل، بينها الحديث عن فصل أطفال أصحاء عن عائلاتهم، وإجراء عمليات تشريح دون موافقة ذويهم، إضافة إلى ممارسات وُصفت بالتمييزية تجاه المهاجرين الشرقيين.
كما أشار التقرير إلى إصدار بلاغات وفاة في بعض الحالات، بينما كانت هناك شبهات حول بقاء الأطفال على قيد الحياة وانتقالهم إلى عائلات أخرى للتبني.
وأوصى التقرير بتقديم اعتذار رسمي للعائلات المتضررة والاعتراف بما تعرضت له.
لجنة حكومية أُغلقت دون نتائج:
في مايو 2023، أعلن وزير الصحة الإسرائيلي موشيه أربيل تشكيل لجنة للتحقيق في دور المؤسسات الصحية والطواقم الطبية في القضية.
وجاء القرار بعد ضغوط متزايدة من العائلات ومنظمات المجتمع المدني، التي طالبت بكشف حقيقة ما جرى خلال السنوات الأولى من قيام الدولة.
غير أن وزارة الصحة أعلنت لاحقاً إغلاق اللجنة، مبررة القرار بعدم امتلاكها الأدوات الكافية لإجراء دراسة تاريخية شاملة أو تجاوز نتائج لجان التحقيق السابقة.
وأثار القرار انتقادات واسعة من ناشطين وعائلات اعتبروا أن السلطات ما زالت تتجنب الكشف الكامل عن الحقيقة.
الوثائق المفقودة:
أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في القضية يتعلق باختفاء وثائق رسمية كان من الممكن أن تساعد في تحديد مصير الأطفال.
بحسب باحثين وناشطين، فقد اختفت ملفات مهمة من الأرشيفات الرسمية، بينما أُعلن فقدان أو إتلاف وثائق أخرى قبل جلسات التحقيق المختلفة.
كما تحدثت شهادات عن حذف أسماء أطفال من سجلات رسمية أو وجود تناقضات بين الوثائق الحكومية والبيانات المسجلة لدى جهات أخرى.
المقابر وفحوص الحمض النووي:
طالبت عائلات كثيرة بفتح المقابر التي يُعتقد أن أبناءها دُفنوا فيها وإجراء فحوص الحمض النووي للتأكد من الهويات.
ووفق معطيات متداولة، جرى فتح خمسة قبور فقط حتى الآن، في حين أظهرت إحدى عمليات الفحص تطابقاً في الحمض النووي، بينما لم تُعلن نتائج أربعة قبور أخرى.
كما توجد عشرة قبور إضافية تنتظر تنفيذ قرارات قضائية تسمح بفتحها والتحقق من محتوياتها.
تعويضات بقيمة 162 مليون شيكل:
في فبراير 2021، وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطة تعويضات بلغت قيمتها 162 مليون شيكل، أي ما يعادل نحو 50 مليون دولار.
نصت الخطة على دفع 200 ألف شيكل، أي نحو 61 ألف دولار، للعائلات التي بقي مصير أطفالها مجهولاً، و150 ألف شيكل للحالات التي ثبتت فيها الوفاة.
لكن الخطة تعرضت لانتقادات واسعة بسبب اشتراط التنازل عن أي دعاوى قضائية ضد الدولة مقابل الحصول على التعويض.
ورأت منظمات حقوقية أن التعويض المالي لا يمكن أن يحل محل كشف الحقيقة الكاملة أو محاسبة المسؤولين.
اعتراف ضمني بلا اعتذار:
رغم تشكيل لجان التحقيق وإقرار التعويضات المالية، لم تصدر إسرائيل حتى اليوم اعتذاراً رسمياً بشأن القضية.
ويعتبر ناشطون أن التعويضات تمثل اعترافاً ضمنياً بوجود خطأ تاريخي، لكنهم يؤكدون أن العدالة الحقيقية لا تكتمل من دون فتح الأرشيفات السرية وكشف جميع الوثائق المتعلقة بالملف.
ومع مرور أكثر من 75 عاماً على بداية القضية، لا تزال آلاف العائلات تبحث عن إجابات بشأن مصير أبنائها، فيما يبقى ملف "أطفال اليمن" واحداً من أكثر الملفات حساسية وإثارة للجدل في تاريخ إسرائيل الحديث، وقضية لم تنجح العقود الطويلة في طي صفحاتها.