تشهد التحركات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران زخماً متسارعاً بعد التفاهمات التي أُبرمت في سويسرا، وسط مساعٍ إقليمية ودولية لترسيخ التهدئة ومعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها أمن الملاحة في مضيق هرمز ومستقبل الاتفاقات المبرمة بين
الجانبين. في هذا السياق، يبدأ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو جولة خليجية تشمل الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين لبحث نتائج المفاوضات الأخيرة وتنسيق المواقف مع دول المنطقة حيال المرحلة المقبلة.
وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت أن روبيو سيجري سلسلة لقاءات مع مسؤولين خليجيين لمناقشة مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران، إضافة إلى الجهود الرامية لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم
الممرات البحرية لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم.
تتضمن الجولة أيضاً مشاركة وزير الخارجية الأميركي في اجتماع مجلس التعاون الخليجي المقرر عقده في البحرين، حيث تتصدر القضايا الأمنية والإقليمية جدول الأعمال، إلى جانب بحث انعكاسات التفاهمات الأميركية الإيرانية على أمن المنطقة واستقرارها.
الزيارة تجري في وقت تشهد فيه المفاوضات بين واشنطن وطهران تقدماً ملحوظاً عقب توقيع مذكرة تفاهم بوساطة مشتركة من قطر وباكستان، هدفت إلى وضع أسس لمعالجة عدد من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية العالقة بين الطرفين.
أعلنت الدوحة وإسلام آباد، في بيان مشترك، اختتام الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى التي استضافتها سويسرا بمشاركة الوفدين الأميركي والإيراني والوسطاء، مشيرتين إلى التوصل إلى خريطة طريق تهدف لإبرام اتفاق نهائي خلال 60 يوماً.
شملت التفاهمات إنشاء قناة اتصال مباشرة بين الأطراف المعنية لتجنب الحوادث وسوء التقدير، إضافة إلى وضع آليات تضمن سلامة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية.
من جانبه، أكد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن الجولة الأولى من المحادثات أرست قاعدة قوية يمكن البناء عليها للوصول إلى اتفاق شامل، موضحاً أن المفاوضات أوجدت أرضية مناسبة للتقدم نحو تسوية أوسع تنهي حالة التوتر القائمة.
قال فانس إن الاتفاق النهائي لم يُنجز بعد، إلا أن ما تحقق خلال اللقاءات الأخيرة يمثل خطوة مهمة في مسار الوصول إلى تفاهم طويل الأمد يخدم مصالح جميع الأطراف المعنية.
في المقابل، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن المفاوضات حققت تقدماً كبيراً، مشيداً بالدور الذي لعبته الوساطة القطرية الباكستانية في تقريب وجهات النظر بين الجانبين.
وأوضح عراقجي أن التفاهمات شملت ملفات اقتصادية مهمة، من بينها إعفاء صادرات النفط والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية من العقوبات، ورفع بعض القيود الاقتصادية، إضافة إلى الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
تحدث أيضاً عن إطلاق خطط واسعة لإعادة إعمار البنية التحتية الإيرانية، في إطار الترتيبات التي يجري العمل عليها خلال المرحلة الحالية، بما يسهم في دعم الاقتصاد الإيراني بعد سنوات من العقوبات والضغوط الاقتصادية.
على صعيد آخر، اعتبرت سويسرا أن الظروف أصبحت مناسبة للانتقال مباشرة إلى مرحلة المحادثات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران، بعد انتهاء الجولة السياسية الأولى التي استضافتها منطقة بحيرة لوسيرن.
تكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة، نظراً لكونها ستتناول التفاصيل التنفيذية المتعلقة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية وآليات الرقابة والتفتيش، فضلاً عن الترتيبات الخاصة بأمن الملاحة البحرية.
يحظى ملف مضيق هرمز باهتمام استثنائي خلال هذه المفاوضات، بسبب دوره المحوري في حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة. كما يشكل أحد أبرز محاور التفاهمات الجارية بين الجانبين، إلى جانب ملفات العقوبات والبرنامج النووي والأوضاع الأمنية في المنطقة.
في ضوء هذه المعطيات، تعبر جولة روبيو الخليجية عن حرص واشنطن على التشاور مع حلفائها الإقليميين بشأن مسار المفاوضات ونتائجها المحتملة، في وقت تترقب فيه دول المنطقة الخطوات المقبلة التي قد تحدد شكل العلاقات الأميركية الإيرانية خلال
المرحلة القادمة، وتأثيرها على ملفات الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي.