تكشف المعارك الممتدة في قطاع غزة وجنوب لبنان عن حالة استنزاف متصاعدة داخل وحدات النخبة في الجيش الإسرائيلي، خصوصًا ضمن تشكيلات المدرعات، حيث برزت الكتيبة 52 التابعة للواء 401 كنموذج واضح لتراجع الأداء الميداني وتزايد الخسائر في صفوف قياداتها.
وتظهر التطورات الميدانية أن هذه الكتيبة، التي تعد من أبرز وحدات المدرعات، تواجه ضغطًا عسكريًا غير مسبوق، انعكس بشكل مباشر على تسلسل القيادة واستقرارها خلال العمليات القتالية.
الكتيبة 52 بين التاريخ والصورة الميدانية
تأسست الكتيبة 52 في مارس/آذار 1947، وتعرف داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باسم "الخارقين"، وتربطها الأدبيات العسكرية بتاريخ طويل من العمليات في مناطق مختلفة، من بينها النقب، إضافة إلى مشاركتها في حروب تقليدية سابقة.
لكن صورة الميدان خلال الحرب الحالية في غزة تختلف بشكل واضح عن هذه السردية، إذ ارتبط اسم الكتيبة بعمليات عسكرية واسعة النطاق أدت إلى تدمير مناطق سكنية بالكامل في شمال قطاع غزة، من بينها قرية أم النصر التي سويت بالأرض خلال العمليات القتالية.
كما ارتبطت الكتيبة بحادثة مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب مع أفراد من عائلتها، إضافة إلى طواقم الإسعاف التي حاولت الوصول إلى الموقع، وهي واقعة أثارت جدلًا واسعًا حول طبيعة الاستهدافات خلال العمليات العسكرية في المدينة.
انهيار متدرج في تسلسل القيادة
تشير المعطيات الميدانية والتقارير الإسرائيلية إلى تعرض جميع قادة الكتيبة 52 خلال الحرب الحالية لسلسلة من الإصابات أو القتل، في سياق العمليات المستمرة في غزة وجنوب لبنان، ما يعكس حالة ضغط مباشر على بنية القيادة.
في يوليو/تموز 2024، أصيب المقدم دانيال إيلا، وهو أحد قادة الكتيبة، بجروح متوسطة خلال القتال في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، قبل أن يتم نقله لاحقًا إلى مهام تدريبية بعد تلقي العلاج.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أصيب المقدم يهودا شاليف بجروح بالغة نتيجة انفجار عبوة ناسفة في منطقة جباليا شمال القطاع، في حادثة تزامنت مع إصابة قائد اللواء 401 العقيد إحسان دقسة، ولا يزال شاليف يخضع لبرنامج علاجي طويل.
أما في أبريل/نيسان 2026، فقد أصيب المقدم أور يول إصابة حرجة خلال الاشتباكات في منطقة بنت جبيل جنوب لبنان، في ظل توسع رقعة العمليات إلى الجبهة الشمالية.
وفي الفترة ذاتها، قُتل المقدم دور بن شمحون، قائد الكتيبة، مع ثلاثة من جنوده، بعد استهداف دبابة القيادة بصاروخ مضاد للدروع أطلقه مقاتلو حزب الله في منطقة كفر تبنيت قرب قلعة شقيف التاريخية في جنوب لبنان.
خسائر تطال قيادة اللواء 401
لم تقتصر الخسائر على الكتيبة 52، بل امتدت إلى قيادة اللواء 401 المدرع، حيث قُتل قائده العقيد إحسان دقسة خلال كمين في جباليا شمال قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2024.
كما أصيب خليفته العقيد مئير بيدرمان بجروح خطيرة في مايو/أيار الماضي، إثر هجوم بطائرة مسيرة متفجرة في منطقة دبل جنوب لبنان، ما عمّق من حالة الارتباك داخل سلسلة القيادة، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، التي وصفت ما يجري بأنه سلسلة ضربات متتالية تطال مستويات القيادة الميدانية.
أزمة تدريب تؤثر على الجاهزية القتالية
تتزامن هذه التطورات مع تقارير تشير إلى أزمة داخل منظومة القوات المدرعة في الجيش الإسرائيلي نتيجة نقص الأفراد، ما دفع المؤسسة العسكرية إلى اتخاذ إجراءات وصفت بأنها تقشفية في برامج التدريب.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية صدرت في أغسطس/آب 2025، تم تقليص مدة تدريب جنود الاحتياط في وحدات المدرعات بنسبة كبيرة، بحيث أصبحت لا تتجاوز خمسة أيام فقط، مع الاكتفاء بالتدريب على دبابات أقدم من الطرازات الحديثة.
وأبدى عدد من الضباط مخاوفهم من أن هذه المدة غير كافية لتأهيل الجنود لخوض عمليات قتالية معقدة، خصوصًا في بيئات ميدانية عالية الخطورة، معتبرين أن ذلك قد ينعكس على مستوى الجاهزية الفعلية للقوات.
ورغم تبريرات بعض القيادات بأن هذا الإجراء يهدف إلى سد النقص في الأفراد، فإن تقييمات داخلية أشارت إلى أن تقليص التدريب يضعف الكفاءة القتالية ويزيد من المخاطر في الميدان.
استنزاف أوسع على الجبهة الشمالية
لا يقتصر الاستنزاف على الكتيبة 52 أو لواء 401، بل يمتد إلى الجبهة الشمالية مع لبنان، حيث تشير المعطيات العسكرية إلى مقتل 36 ضابطًا وجنديًا في المواجهات مع مقاتلي حزب الله منذ بدء التصعيد في مارس/آذار الماضي.
وترافقت هذه الخسائر مع إصابات متكررة نتيجة استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الموجهة في استهداف مواقع وتجمعات القوات الإسرائيلية داخل مناطق التوغل في جنوب لبنان.
كما أفادت تقارير بأن هناك توجهًا عسكريًا لإعادة تقييم حجم القوات المنتشرة في المنطقة، في ظل تقديرات تفيد بأن بعض المهام الهجومية قد تم إنجازها أو تقليصها.
تحركات سياسية وانعكاسات ميدانية
في موازاة التطورات العسكرية، تحدثت تقارير عن رغبة أمريكية في دفع مسار يفضي إلى إعادة انتشار جزئي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وهو ما يتقاطع مع نقاشات سياسية وعسكرية داخل إسرائيل حول طبيعة البقاء الميداني في المنطقة.
وفي المقابل، تؤكد القيادة الإسرائيلية أن أي انسحاب لن يتم من مواقع تعتبرها حساسة أو مرتبطة بتهديد مباشر للمستوطنات أو خطوط إطلاق الصواريخ، ما يجعل مسار التفاوض مفتوحًا على احتمالات متعددة.