أجرت وكالة أنباء آسيا حواراً مع الناشط السياسي وأحد أبرز الشخصيات الكردية السورية، الدكتور عبد الباسط سيدا، وكان هذا الحوار الذي جاء على الشكل التالي:
بداية في ما يتعلق بإحياء مسار المفاوضات السورية – الإسرائيلية يشير د. سيدا، الى أن "موضوع إحياء مسار المفاوضات السورية - الإسرائيلية شيء، واحتمالية الوصول إلى تفاهم بين الجانبين شيء آخر، ربما تكون هناك لقاءات قريبة في واشنطن أو أمكنة أخرى من العالم بين الجانبين برعاية أمريكية، كما جرى في الماضي القريب. أما مسألة التفاهم السوري - الإسرائيلي فهي تتوقف على تطورات الأوضاع الإقليمية، ومدى استعداد اسرائيل لاحترام الحقوق الوطنية السورية السيادية المشروعة".
ويتابع:"الحكومة الحالية، هي حكومة مؤقتة وفق توصيف الأمم المتحدة، ليس في مقدورها، بصرف النظر عن جميع الضغوطات، التنازل عما يعتبره السوريون حقهم الوطني غير القابل للمساومة، ويُشار هنا إلى الجولان المحتل وإلى المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط سلطة آل الأسد، ومجيء الإدارة السورية المؤقتة".
وحول كلام الرئيس الاميركي ترامب حول تدخل سوريا عسكريا في لبنان، يعتبر د. سيدا أن "تصريحات الرئيس الأميركي ترامب كثيرة ومتعارضة إلى حد التناقض في بعض الأحيان، ولكن تكرار هذا التصريح بخصوص رغبته في تكليف إدارة الرئيس الشرع بملف "حزب الله" أمر يستوقف ويثير التساؤل، فهل المقصود بذلك هو قطع الطريق على حكومة نتنياهو، ووضع حد لتدخلاتها السافرة في لبنان التي باتت تمثل تحدياً وجوديا للبنان دولة ومجتمعاً، ولا تقتصر تبعاتها على حزب الله وحده وحاضنته الشعبية؟ أم أنه تلميح بضرورة التزام إدارة الشرع بما تم التوافق عليه، وذلك وفق ما يُستشف من تصريحات اخرى للرئيس ترامب والتي أعلن من خلالها بأنه هو من ثبّت الرئيس الشرع بالحكم في سوريا، وذلك بالتفاهم مع تركيا وقوى دولية وإقليمية أخرى"، ولكن، في جميع اللأحوال، فإن كثرة التصريحات المتعارضة من جانب الرئيس ترامب تفتح الباب أمام مختلف القراءات والتأويلات والتوقعات والاحتمالات.
وردا على سؤال حول امكانية أن يخضع الرئيس السوري احمد الشرع للضغوط الاميركية ويتدخل في لبنان ضد حزب الله، يرى د. سيدا أن "حكومة الشرع اعتمدت منذ البدايات اسلوب المراهنة على التأييد الخارجي، وراهنت على الشرعية الخارجية من أجل بلوغ الشرعية الداخلية. وهذا منطق معكوس أثبتت الوقائع بأنه لا يُناسب الواقع السوري الذي يعاني من جملة معقدة من المشكلات الداخلية. فلو كان هناك برلمان يحظى بثقة السوريين، أو كانت هناك هيئة وطنية، أو مؤتمر وطني حقيقي يجسّد رؤية وإرادة السورية بمختلف انتماءاتهم المجتمعية وتوجهاتهم السياسية، لكان في مقدور الحكومة السورية المؤقتة أن تحتمي بهذه المؤسسات الوطنية، وتعتمد الأولويات السورية عوضاً عن الالتزام بما يفرضه عليها ترامب أو غيره.
ويتابع:"لكن في الوضع الحالي ستواجه حكومة الشرع تحديات كبرى لن تكون مواجهتها سهلة في ظل الأوضاع الهشة التي تعيشها الدولة السورية ومؤسساتها وحكومتها، وبفعل الجروح المجتمعية العميقة التي يعاني من المجتمع الوطني السوري نتيجة تراكم سلبيات عقود من سياسات سلطة آل الأسد، والأخطاء الكبيرة التي كانت في مناطق الساحل والسويداء وحلب وشرق الفرات بعد الخلاص من تلك السلطة. ولكن في جميع الأحوال لا يمكن الانتظار، والموقف بشكل عام يستوجب الدعوة إلى حوار سوري - سوري حقيقي بين الوطنيين السوريين الفاعلين والإدارة المؤقتة لمناقشة سائر المسائل والاحتمالات، والتوافق على جملة الخطوات التي من شأنها تقوية الموقف السوري، ليتمكن من التعامل والتفاعل مع التطورات والمتغيرات الإقليمية والدولية من موقع المتمسك بالمصالح السورية العليا، وهي تطورا ومتغيرات لا يمكن لسوريا أن تعزل نفسها عنها، بل ستتاثر بها سلباً وأيجاباً في جميع الأحوال، والتوافق الوطني هو الملاذ والمخرج".
وحول وجود ضغط تركي على الشرع لمنعه من التورط في لبنان، يشير د. سيدا قائلاً: "السوريون واللبنانيون لديهم ذكريات أليمة عن أيام التدخل السوري في لبنان. وهو التدخل الذي أضر باللبنانيين والسوريين على السواء، وما زلنا ندفع ضريبته ونعاني من تبعاته. ولم يكن ذلك التدخل بناء على حاجات ومصالح سورية أو لبنانية، بل استند إلى حسابات إقليمية ودولية ومصالح خاصة بسلطة حافظ الأسد وفئات لبنانية، وكان الهدف هو إخراج الوجود الفلسطيني المسلح من لبنان، وهو الوجود الذي أضعف الدولة اللبنانية الوطنية، وجعلها رهينة زعماء الطوائف".
لذلك فإن أي حديث عن مثل هذا التدخل مجدداً بناء على حسابات دولية وإقليمية لا يُقابل بأي ارتياح سورياً ولبنانياً، بل يثير الكثير من الهواجس والمخاوف المشروعة التي نأمل ألا تصبح واقعاً.
ويضيف:"إن أي تدخل سوري في لبنان سيؤدي إلى اضطرابات مجتمعية في المنطقة، سستترتب عليها إضطرابات سياسية في جميع الأحوال، ولن تقتصر دائرة هذه الاضطرابات على سوريا ولبنان، بل ستمتد إلى الإقليم بأسره نتيجة الاحتقان المذهبي الذي رسخته السياسات والممارسات الإيرانية على مدى أكثر من أربعين عاما. وبطبيعة الحال ستتأثر تركيا بما سيحصل، ومن الطبيعي ان تتدخل، بل من واجبها ان تتدخل بناء على علاقتها المتميزة مع حكومة الشرع من أجل الحيلولة دون حدوث التدخل المعني المتقرح من جانب ترامب.
أما عن كيفية تقييم الوضع سياسيا وامنيا في سوريا يشير د. سيدا الى ان "الأوضاع في سوريا معقدة ومتداخلة وحساسة للغاية سياسيا وأمنيا. وللخروج من هذا الوضع بأقل الخسائر يحتاج السوريون إلى حوارات وطنية معمقة تُتوج بتوافقات وطنية، واعتماد آليات ملموسة تعزز الثقة عبر اجراءات ملموسة تختلف كلياً عن الوعود التبشيرية التي غالبا ما تظل في دائرة الأمنيات غير المتحققة. أما المراهنة على المخلّص المنتظر، فقد ثبت عدم نجاحها في منطقتنا منذ خمسينات القرن الماضي، أي منذ ايام جمال عبدالناصر وحتى يومنا هذا.
وحول حصول تحولات في سوريا بعد وقف الحرب الاميركية – الايرانية، يرى سيدا أن "الوضع السوري الحالي هو حصيلة التطورات والمتغيرات والتدخلات الإقليمية والدولية منذ بدايات الاستقلال. ومن الطبيعي ان نستعد لمختلف الاحتمالات في اجواء التصارع الدولي الإقليمي على المنطقة، وسوريا كما نعلم جميعا هي مفتاح المنطقة ومركز توازنها واضطرابها. وما سيحدث في إيران، وبين الأميريكان والإيرانيين بعد الحرب التي كانت والتي قد تتجدد في أي لحظة، ستكون لها انعكاساتها على سوريا والسوريين. والضامن الوحيد للسوريين هو تفاهمهم وتوافقهم على الأولويات التي تهم السوريين جميعاً من دون أي تمييز أو استثناء".
وفي ما يتعلق بمسألة الحريات العامة والحريات الدينية بظل التشدد القائم في سوريا من قبل السلطة الحالية، يؤكد د. سيدا أن "الحريات الشخصية هي من الحقوق الفردية التي لا يجوز التدخل فيها ما دامت تحت سقف القانون المنبثق من إرادة السورين الأحرار عبر انتخابات حرة شفافة. أما محاولات فرض نماذج معنية بناء على توجهات أيديولوجية خلافية ، وتحت شعار أهمية مراعاة القيم العامة، أو الأخلاق الصالحة أو الفاضلة التي تظل مسألة تحديد طبيعتها مسألة نسبية خاضعة للخلفيات والقناعات الشخصية، فهذا مؤداه الكثير من الإشكاليات والخلافات والتوترات والصدامات التي ليس لدى السوري ترف التفرغ لها أو دفع ضريبتها".
ويضيف:"ما دامت الحريات الشخصية لا تسيء إلى الآخرين بصورة مادية ملموسة، فمن حق الجميع أن يمارسها وفق قناعاته ومبادئه. أما مسألة تقييمها أو الحكم على صحتها وبطلانها، فتترك لربّ العالمين الذي هو الأعدل، والأكثر قدرة على التمييز بين الصالح والطالح، والخيّر والشرير من الجميع".
وردا على سؤال حول امكانية بقاء الجغرافيا السورية موحدة ومصير الاقليات فيها، يشدد د. سيدا على أنه "من مصلحة السوريين جميعا على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم وجهاتهم أن يظلوا معاً ضمن الدولة الوطنية الواحدة في ظل إدارة رشيدة عادلة، تطمئن الجميع عبر احترام الخصوصيات والحقوق على مستوى الجماعات والأفراد، وحتى الآن لا توجد دعوات تطالب بالانفصال من قبل اي جهة".
ويضيف:"لكن في الوقت ذاته علينا أن نعترف بوجود جروح قديمة جديدة تستوجب المعالجة، فالوضع السوري يستوجب القطع مع عقلية نحن وهم؛ ومع نزعة: ظُلمنا ومن حقنا أن نِظلم. يحتاج السوريون إلى بلورة مفهوم الأغلبية السياسية وترسيخها، وهذا يتطلب وجود أحزاب ومنظمات مجتمع مدني ونقابات حرة قادرة على تحديد أولوياتها وصياغة برامجها واتخاذ قرارتها من دون أي تدخلات من خارجها".
ويختم د. سيدا معتبراً أنه "إذا استمر منطق الاستئثار والتفرّد ومنع شركاء الوطن والمصير من المشاركة في الإدارة والاستفادة من الموارد، فهذا مؤداه ترك الأبواب مفتوحة أمام جميع الاحتمالات، خاصة في أجواء الصراع العنيف بين القوى الإقليمية والدولية على المنطقة، وعلى سوريا بصورة خاصة لأهميتها الجيوسياسية، وكونها الأكثر هشاشة من جهة الدولة والمجتمع والاقتصاد".