انتقادات أوروبية حادة تلاحق الحكومة التركية

2026.06.19 - 08:46
Facebook Share
طباعة

أعاد تقرير البرلمان الأوروبي الأخير بشأن تركيا ملفات القضاء والحريات العامة والمعارضة إلى صدارة النقاش بين أنقرة وبروكسل، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط السياسية الأوروبية على حكومة حزب العدالة والتنمية، في وقت تسعى فيه تركيا إلى الحفاظ على شراكاتها مع الاتحاد الأوروبي في ملفات الاقتصاد والاستثمار والهجرة والأمن.

 

صوّت البرلمان الأوروبي على التقرير بأغلبية 381 نائبًا مقابل 107 أصوات معارضة و171 حالة امتناع، مؤكدًا أن مسار انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيبقى مجمدًا في الظروف الحالية ما لم تُسجل تطورات ملموسة في مجالات استقلال القضاء وسيادة القانون والحريات الأساسية وحرية الإعلام.

 

دعا التقرير كذلك إلى دراسة فرض إجراءات تقييدية بحق مسؤولين أتراك، من بينهم وزير العدل أكين غورليك، الذي شغل سابقًا منصب المدعي العام في إسطنبول، ما منح التقرير بعدًا سياسيًا غير مسبوق مقارنة بتقارير أوروبية سابقة كانت تكتفي بانتقاد السياسات دون تسمية شخصيات بعينها.

 

جاءت هذه المواقف بعد أسابيع من المناقشات داخل لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي حول تقرير المفوضية الأوروبية الخاص بتركيا لعام 2025، حيث ركزت المداولات على أوضاع المعارضة السياسية، والإجراءات القضائية المرتبطة ببلديات حزب الشعب الجمهوري، إضافة إلى قضايا حرية الصحافة وحقوق الإنسان ومدى انسجام السياسة الخارجية التركية مع مواقف الاتحاد الأوروبي.

 

تشير المعطيات إلى أن النقاش الأوروبي لم يعد يقتصر على مستقبل عضوية تركيا، بل توسع ليشمل ربط التعاون القائم مع أنقرة في ملفات الهجرة والطاقة والأمن بمدى التقدم في ملف سيادة القانون والحريات السياسية.

 

بحسب مصادر سياسية تركية، شهدت الفترة التي سبقت التصويت اتصالات بين أطراف معارضة داخل تركيا وعدد من النواب الأوروبيين، ركزت على ملفات تتعلق بالملاحقات القضائية التي تطال شخصيات معارضة ورؤساء بلديات محسوبين على المعارضة.

 

تحولت قضية رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، إلى جانب ملفات بلديات حزب الشعب الجمهوري، إلى نماذج استند إليها عدد من النواب الأوروبيين عند مناقشة أوضاع المنافسة السياسية واستقلال القضاء في تركيا.

 

رأت دوائر أوروبية أن هذه القضايا تعكس إشكاليات تتعلق بالفصل بين السلطات وضمان المنافسة السياسية العادلة، وهي ملفات أصبحت حاضرة بقوة في تقييم العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

 

في المقابل، سارعت وزارة الخارجية التركية إلى رفض التقرير، معتبرة أنه يستند إلى معلومات غير دقيقة وادعاءات تفتقر إلى الموضوعية، كما دافعت عن وزير العدل بعد إدراج اسمه ضمن الشخصيات التي طُرحت بشأنها إجراءات محتملة.

 

يعكس هذا الرد حساسية الموقف بالنسبة للحكومة التركية، خاصة أن الانتقادات لم تعد تقتصر على السياسات العامة، بل امتدت إلى شخصيات تتولى مواقع رئيسية داخل مؤسسات الدولة.

 

يأتي التقرير ضمن آلية التقييم الدورية التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي لمتابعة أوضاع الدول المرشحة للانضمام، حيث يتم قياس مدى توافقها مع المعايير الأوروبية المتعلقة بالقضاء والحريات والمؤسسات الديمقراطية والاقتصاد.

 

تعود علاقة تركيا بمسار الانضمام إلى عام 1999 عندما حصلت على صفة دولة مرشحة، قبل أن تبدأ مفاوضات العضوية رسميًا عام 2005. غير أن هذه المفاوضات دخلت مرحلة الجمود منذ عام 2018 بعد قرار أوروبي اعتبر أن أنقرة تبتعد تدريجيًا عن المعايير المطلوبة للانضمام.

 

منذ ذلك الحين، استمرت الشراكة العملية بين الجانبين في ملفات محددة، أبرزها تحديث الاتحاد الجمركي والتعاون في إدارة ملف الهجرة ومكافحة الإرهاب والطاقة، بينما بقي ملف العضوية معلقًا بسبب الخلافات المتعلقة بالحريات العامة واستقلال القضاء

وقضية قبرص والتباينات في السياسة الخارجية.

رغم أن البرلمان الأوروبي لا يمتلك صلاحية مباشرة لفرض عقوبات على مسؤولين أتراك، فإن إدراج أسماء محددة داخل التقرير يحمل دلالات سياسية مهمة، إذ يفتح الباب أمام نقاشات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي بشأن طبيعة العلاقة المستقبلية مع أنقرة.

 

تشير تقديرات دبلوماسية أوروبية إلى أن بعض العواصم الأوروبية بدأت بالفعل مراجعة تأثير التطورات الداخلية التركية على ملفات التعاون الاقتصادي والأمني والاستثماري، مع تزايد المطالب بإدراج ملف القضاء والحريات ضمن أي حوار مستقبلي مع الحكومة التركية.

 

برزت أيضًا دعوات داخل الاتحاد الأوروبي لربط أي خطوات جديدة في مجالات التجارة والتأشيرات والتعاون الدفاعي بمؤشرات واضحة تتعلق باستقلال القضاء وحقوق المعارضة.

 

يضع الواقع حكومة العدالة والتنمية أمام معادلة معقدة، فهي تحتاج إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع أوروبا باعتبارها الشريك التجاري الأكبر لتركيا ومصدرًا مهمًا للاستثمارات الأجنبية، وفي الوقت نفسه تواجه انتقادات متزايدة بشأن أوضاع الحريات والعمل السياسي داخل البلاد.

 

في ظل استمرار الملفات القضائية المرتبطة بالمعارضة والبلديات، يمنح التقرير الأوروبي القوى المعارضة ورقة إضافية في مواجهة الحكومة، بينما يضيف إلى أنقرة ضغوطًا سياسية جديدة قد تنعكس على مسار علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي خلال المرحلة المقبلة.
 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 6

اقرأ أيضاً