شهدت عدة مناطق سورية خلال الأيام الماضية موجة من الاحتجاجات الشعبية المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة خلال سنوات حكم النظام السابق، بالتزامن مع تصاعد مطالب شعبية بتسريع مسار العدالة الانتقالية وضمان إنصاف الضحايا وعائلاتهم.
واتسعت رقعة التظاهرات في مدينة حلب مساء السبت بعد أن كانت مقتصرة على حي السكري في اليوم السابق، حيث خرج مئات المواطنين في أحياء صلاح الدين والأنصاري والشعار وبستان القصر والسكري عقب صلاة المغرب، رافعين شعارات تدعو إلى محاسبة المتورطين في الانتهاكات وعدم السماح بالإفلات من العقاب، إلى جانب المطالبة بالإسراع في إجراءات العدالة الانتقالية.
وأكد المشاركون في الاحتجاجات ضرورة اتخاذ خطوات عملية لملاحقة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحق السوريين خلال السنوات الماضية، معتبرين أن تحقيق العدالة يمثل شرطاً أساسياً لترسيخ الاستقرار وإعادة بناء الثقة المجتمعية.
بيان من اعتصام الكرامة في دير الزور
وفي دير الزور، أصدر المشاركون في "اعتصام الكرامة"، المستمر منذ الأربعاء الماضي، أول بيان لهم، أكدوا فيه تمسكهم بمطالب تتعلق بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات وإنصاف الضحايا وإعادة الاعتبار لأبناء المحافظة الذين شاركوا في مواجهة النظام السابق.
وأشار البيان إلى أن دير الزور كانت من أوائل المحافظات التي شهدت حراكاً شعبياً للمطالبة بالحرية، وقدمت آلاف الضحايا وتحملت سنوات طويلة من القصف والتهجير والدمار، لكنها ما تزال تعاني من ضعف الخدمات وتحديات معيشية واقتصادية كبيرة.
وأعرب المعتصمون عن رفضهم لعودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق إلى المحافظة، معتبرين أن ذلك يتعارض مع مطالب العدالة ويثير استياء واسعاً بين الأهالي الذين ما زالوا ينتظرون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وأكد البيان دعم الحكومة السورية باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة المرحلة الحالية، مع التشديد على ضرورة اتخاذ خطوات أكثر فاعلية لضمان العدالة وإنصاف المتضررين وحفظ تضحيات الضحايا.
مطالب تتعلق بالعدالة والإنصاف
تضمنت مطالب المعتصمين الدعوة إلى محاسبة جميع المتورطين في الجرائم والانتهاكات، ومنع إعادة دمج الأشخاص الذين يثبت تورطهم في أعمال قمع أو انتهاكات ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية.
كما طالبوا بتعزيز دور العناصر التي شاركت في مواجهة النظام السابق ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية الجديدة، وتوفير فرص تعليمية ومهنية للشباب الذين تأثرت مسيرتهم الدراسية بسبب سنوات النزاع.
وشملت المطالب أيضاً تقديم الرعاية والدعم لأسر الضحايا، وإعادة الموظفين الذين فقدوا وظائفهم بسبب مواقفهم السياسية خلال السنوات الماضية، إضافة إلى إنشاء مكاتب متخصصة لمتابعة ملفات المفقودين وتوثيق قضاياهم وتقديم الدعم اللازم لعائلاتهم.
ودعا البيان كذلك إلى تعزيز الشفافية في إجراءات المحاسبة، ومكافحة الفساد والمحسوبيات، وضمان سير القضايا المتعلقة بالانتهاكات ضمن أطر قانونية واضحة.
احتجاجات في كفرنبل رفضاً لعودة شخصيات مرتبطة بالنظام السابق
وفي ريف إدلب الجنوبي، شهدت مدينة كفرنبل وقفة احتجاجية شارك فيها عشرات المواطنين رفضاً لعودة أشخاص ارتبطوا بالنظام السابق إلى المدينة.
ورفع المحتجون لافتات شددت على ضرورة احترام تضحيات أبناء المنطقة وعدم السماح بعودة أي شخص يثبت تورطه في دعم مؤسسات النظام السابق أو المشاركة في انتهاكات بحق السكان.
وأكد المشاركون أن تحركهم يأتي استجابة لمطالب محلية جرى التعبير عنها خلال الأشهر الماضية، مشددين على أهمية الحفاظ على حقوق الضحايا ورفض أي خطوات قد تُفسَّر على أنها تجاوز لتلك التضحيات.
مخاوف من تصاعد أعمال الانتقام والانفلات الأمني
بالتوازي مع الاحتجاجات، شهدت مناطق في ريف دمشق وإدلب وحلب ودير الزور حوادث عنف استهدفت أشخاصاً اتُّهموا بالارتباط بالنظام السابق، في ظل تحذيرات من تنامي أعمال الانتقام الفردية وتوسع دائرة التوترات المجتمعية.
وأفادت معطيات محلية بأن بعض الحوادث وقعت بشكل علني وفي أماكن عامة، فيما أثارت مشاهد تنفيذ اعتداءات أمام أفراد من عائلات الضحايا حالة من القلق والخوف بين السكان.
وحذرت مصادر أهلية من أن استمرار مثل هذه الممارسات قد يؤدي إلى تفاقم الانفلات الأمني وزيادة الاحتقان الاجتماعي، بما يهدد جهود الاستقرار ويؤثر على مسار العدالة المنتظر.
وزارة الداخلية: العدالة مسؤولية الدولة
من جهتها، أكدت وزارة الداخلية السورية أنها تتابع التطورات والتوترات التي تشهدها بعض المناطق على خلفية المطالبات الشعبية بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات السابقة.
وقالت الوزارة إنها تدرك حجم الغضب والألم لدى شريحة واسعة من السوريين نتيجة الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، لكنها شددت على أن تحقيق العدالة ومحاسبة المتورطين يتم عبر المؤسسات المختصة ووفق الأطر القانونية المعتمدة.
وأكدت أن الأجهزة الأمنية تواصل ملاحقة المطلوبين والمتورطين في جرائم وانتهاكات بمختلف المحافظات، مشيرة إلى أن الدولة لن تتهاون مع أي شخص يثبت تورطه في سفك الدماء أو ارتكاب انتهاكات بحق المواطنين.
دعوات لضبط النفس وتقديم الأدلة للجهات المختصة
ودعت وزارة الداخلية المواطنين إلى تجنب أعمال الانتقام الفردي وعدم الانجرار إلى ممارسات خارج إطار القانون، مؤكدة أن هذه الأفعال قد تعرقل جهود تحقيق العدالة وتؤثر سلباً على الأمن والاستقرار.
كما ناشدت كل من يمتلك معلومات أو وثائق أو أدلة تتعلق بجرائم وانتهاكات سابقة إلى تسليمها للجهات المختصة عبر القنوات الرسمية، بما يسهم في استكمال التحقيقات وملاحقة المسؤولين عنها وفق الإجراءات القانونية.
وشددت الوزارة على أن حقوق الضحايا ستبقى محل متابعة، وأن الملفات المتعلقة بالانتهاكات ستُعالج وفق الأصول القانونية بما يضمن محاسبة المتورطين وإنصاف المتضررين بعيداً عن الفوضى أو الثأر الفردي.