أعاد الكشف عن شبكة الأنفاق والمنشآت العسكرية في جنوب لبنان والبقاع الغربي طرح أسئلة قديمة حول ما كانت تعرفه الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية عن هذه البنية التحتية التي بُنيت على مدى سنوات طويلة، وشملت غرف عمليات ومستودعات أسلحة ومواقع محصنة تحت الأرض.
فالمعلومات والصور التي ظهرت بعد الحرب الأخيرة لا تتحدث عن مواقع محدودة أو منشآت معزولة، بل عن شبكة واسعة تطلب إنشاؤها أعمال حفر وتجهيز وتمويلاً كبيراً، ما يثير تساؤلات بشأن حجم المعرفة الرسمية بهذه الأنشطة وحدود قدرة الدولة على التعامل معها.
كان ملف الأنفاق قد برز بصورة واضحة بين عامي 2018 و2019، بعدما أكدت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) وجود عدد من الأنفاق قرب الخط الأزرق، مشيرة إلى أن بعضها يعبر الحدود ويشكل خرقاً للقرار 1701.
لكن ما تكشف لاحقاً تجاوز مسألة الأنفاق الحدودية، إذ تحدثت المعطيات المتداولة عن غرف قيادة ومنشآت لوجستية ومستودعات أسلحة ومواقع دفاعية وهجومية تحت الأرض، ما يعكس استثمارات ضخمة امتدت لأكثر من عقد ونصف عقد.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن أعمال الحفر العميقة والتحصين بالباطون وتجهيز أنظمة التهوية والاتصالات والكهرباء وتوزيع المستودعات والمرابض العسكرية استلزمت كلفة مالية كبيرة، في وقت لا توجد فيه أرقام موثقة بشأن حجم الإنفاق الفعلي على هذه الشبكة.
ويطرح ذلك سؤالاً محورياً حول ما إذا كانت الأجهزة الأمنية اللبنانية تجهل وجود هذه المنشآت بالكامل أم أنها كانت تمتلك معلومات جزئية عنها.
تشير معطيات سياسية وأمنية إلى أن بعض الأجهزة كانت تملك معلومات متفاوتة حول وجود تحصينات ومواقع عسكرية في عدد من المناطق، إلا أن المشكلة لم تكن دائماً في جمع المعلومات، بل في القدرة على تحويلها إلى إجراءات تنفيذية.
فعلى مدى سنوات، وفّرت البيانات الوزارية المتعاقبة غطاءً سياسياً لما عُرف بمعادلة "الجيش والشعب والمقاومة"، حيث اعتُبر سلاح حزب الله جزءاً من منظومة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
في ظل هذا الواقع، كان أي تحرك أمني تجاه البنية العسكرية للحزب يرتبط بحسابات سياسية داخلية معقدة تتجاوز الاعتبارات الأمنية البحتة.
كما واجهت الدولة تحديات إضافية مرتبطة بطبيعة بعض المناطق التي كانت حركة الأجهزة الرسمية داخلها تخضع لحساسيات سياسية وأمنية، خصوصاً في مناطق نفوذ حزب الله في الجنوب والبقاع.
وأدى ذلك إلى نشوء فجوة بين ما قد تمتلكه بعض المؤسسات من معلومات وبين قدرتها الفعلية على الوصول إلى مواقع معينة أو التحقق من طبيعة الأنشطة الجارية فيها.
يرى مراقبون أن القضية لا تتعلق بغياب المعرفة بشكل كامل، بل بما يصفونه بالعجز السياسي عن التعامل مع ملفات أمنية شديدة الحساسية فرضتها التوازنات الداخلية التي حكمت لبنان منذ انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000 وحتى اندلاع الحرب الأخيرة.
ومع عودة النقاش حول البنية العسكرية لحزب الله إلى الواجهة، تتجدد التساؤلات حول حجم هذه الشبكة، وكلفتها، والجهات التي أشرفت على بنائها وتمويلها، إضافة إلى حدود الدور الذي كانت الدولة قادرة على القيام به في ظل الظروف السياسية والأمنية التي سادت البلاد خلال العقود الماضية.
يبقى ملف الأنفاق والمنشآت المحصنة واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل في لبنان، لما يحمله من أبعاد أمنية وسياسية وسيادية تتجاوز الجانب العسكري المباشر.