تحقيق دولي
كشف تحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بالتعاون مع "ذا تايمز" عن معطيات خطيرة تفيد باستخدام الجيش الإسرائيلي لـ الفوسفور الأبيض فوق مناطق مأهولة بالسكان في لبنان خلال المواجهات مع حزب الله، في تطور يثير مخاوف جدية بشأن احتمال انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني وتعريض المدنيين لأضرار صحية وبيئية واسعة.
أدلة ميدانية ولقطات موثقة
وبحسب التحقيق، فقد أظهرت أدلة بصرية ومقاطع فيديو جرى التحقق منها، من بينها مواد مصوّرة التقطتها وكالة "رويترز"، أعمدة الدخان المميزة الناتجة عن استخدام الفوسفور الأبيض فوق عدد من المدن والبلدات اللبنانية، بينها النبطية وصور والقليعة والخيام ويحمر، وذلك خلال الأشهر التي تلت استئناف القتال في آذار.
سلاح حارق شديد الخطورة
ويُعرف الفوسفور الأبيض بأنه مادة شديدة الاشتعال تشتعل تلقائياً عند ملامستها للهواء، ويُعد إخمادها بالغ الصعوبة. ورغم استخدامه عسكرياً لإنتاج الدخان أو تغطية التحركات، فإن استخدامه في مناطق مأهولة بالسكان يُصنَّف، وفق خبراء القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان، كإجراء يثير شبهة انتهاك لقوانين الحرب.
ذخائر أميركية الصنع
ووفقاً لخبراء الذخائر الذين استعانت بهم الصحيفة، فإن المقاطع المصورة تشير إلى استخدام قذائف مدفعية أميركية الصنع من عيار 155 ملم من طراز M825A1، وهي قذائف تنفجر في الجو وتطلق شظايا مشتعلة تحتوي على الفوسفور الأبيض.
وتحمل هذه القذائف، بحسب التحقيق، 116 إسفيناً مطلياً بالمادة الحارقة، وتُصمم لإنتاج سحابة دخانية كثيفة تدوم بين 5 و10 دقائق، لكنها قد تتسبب في الوقت نفسه بحرائق واسعة في المناطق التي تسقط فيها.
نفي انتهاك القوانين الدولية
ولم يعلّق الجيش الإسرائيلي على الحوادث المحددة التي تناولها التحقيق، لكنه أكد، وفق ما ورد، أنه لا ينتهك القوانين الدولية، مشيراً إلى أن إجراءاته تمنع استخدام هذه القذائف في المناطق المأهولة بالسكان.
وأضاف أن قذائف الدخان الأساسية المستخدمة لا تحتوي على الفوسفور الأبيض، مع إقراره بامتلاك قذائف تتضمن هذه المادة تُستخدم، بحسبه، فقط لإنشاء ستائر دخانية وليس لأغراض الاستهداف أو الإحراق.
مخاطر تمتد إلى ما بعد القصف
وسلط التحقيق الضوء على التداعيات الصحية والبيئية الخطيرة لاستخدام الفوسفور الأبيض، إذ تشير منظمة الصحة العالمية وخبراء "هيومن رايتس ووتش" إلى أنه يسبب حروقاً عميقة قد تصل إلى العظام، إضافة إلى أضرار تنفسية خطيرة قد تؤدي إلى فشل في الأعضاء.
كما أن الإصابات الناتجة عنه قد تعاود الاشتعال عند تعرضها للأكسجين بعد إزالة الضمادات، ما يزيد من خطورة العلاج.
تعطيل الحياة الزراعية
وحذر خبراء من أن بقايا الفوسفور الأبيض قد تستمر لفترات طويلة في التربة والمياه، ما يؤدي إلى تلوث بيئي واسع، وإلحاق أضرار بالغابات والأراضي الزراعية، إضافة إلى تعطيل قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم، والحاجة إلى عمليات تطهير متخصصة لمعالجة المناطق المتضررة.
جدل قانوني وإنساني يتصاعد
يأتي هذا التحقيق في ظل تصاعد الجدل الدولي حول أساليب القتال المستخدمة في جنوب لبنان، وسط دعوات متزايدة من منظمات حقوقية وخبراء قانون دولي لفتح تحقيقات مستقلة في طبيعة الأسلحة المستخدمة وتقييم مدى توافقها مع قواعد القانون الإنساني الدولي، خاصة في المناطق المأهولة بالسكان.