العراق بين مساعي الاحتواء ومخاطر التصعيد

2026.06.07 - 09:00
Facebook Share
طباعة

تشهد الساحة العراقية تطورات متسارعة في ملف حصر السلاح بيد الدولة، بعد دخول مشروع إعادة هيكلة الفصائل المسلحة مرحلة جديدة اتسمت بظهور تباينات واضحة بين القوى المنضوية ضمن المعسكر الشيعي بشأن مستقبل التشكيلات المسلحة وآليات دمجها ضمن مؤسسات الدولة الرسمية.

 

وكشف مصدر سياسي مطلع أن اتصالات ورسائل مباشرة وغير مباشرة نُقلت خلال الأيام الماضية إلى عدد من قادة الفصائل التي لم تعلن موافقتها على مشروع الهيكلة، تضمنت دعوات للانخراط في المسار الذي تتبناه الحكومة العراقية لإعادة تنظيم الملف الأمني والعسكري وتوحيد مرجعية القرار الأمني تحت سلطة الدولة.

 

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن الحكومة العراقية أبلغت عدداً من الأطراف المعنية بأن المرحلة الحالية تختلف عن المراحل السابقة، وأن متطلبات الحفاظ على استقرار الدولة وتعزيز مؤسساتها تقتضي المضي في توحيد القرارين الأمني والعسكري ضمن الأطر الرسمية. وأضاف أن بعض الرسائل حملت تحذيرات من أن البقاء خارج هذا المسار قد يفرض تحديات سياسية وأمنية متزايدة على الجهات الرافضة خلال المرحلة المقبلة.

 

وتأتي هذه التطورات عقب سلسلة خطوات اتخذتها قوى سياسية وفصائل مسلحة خلال الأيام الماضية دعماً لمشروع إعادة التنظيم. فقد أعلن زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر فك ارتباط "سرايا السلام" وإلحاقها بمؤسسات الدولة، داعياً بقية الفصائل إلى اتخاذ خطوات مماثلة.

 

وفي السياق ذاته، أعلنت "عصائب أهل الحق" تشكيل لجنة مركزية تتولى متابعة إجراءات فك الارتباط التنظيمي، وجرد الأسلحة والمعدات، وتنظيم العلاقة المؤسسية مع القائد العام للقوات المسلحة.

 

كما أعلنت "كتائب الإمام علي" بدء إجراءات مماثلة تشمل إعادة تنظيم تشكيلاتها العسكرية وإجراء إحصاء للأسلحة والمنتسبين، تمهيداً لدمجها ضمن المؤسسات الرسمية للدولة.

 

وتزامنت هذه الخطوات مع حصول رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي على دعم سياسي من قوى الإطار التنسيقي لمواصلة تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، والعمل على إعادة تنظيم هيئة الحشد الشعبي وإبعادها عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية.

 

في المقابل، برزت "حركة النجباء" و"كتائب حزب الله" العراقية باعتبارهما من أبرز الفصائل التي أعلنت رفضها الانضمام إلى المشروع بصيغته الحالية.

 

وجددت "حركة النجباء" تمسكها بما تصفه بـ"سلاح المقاومة"، معتبرة أنه يمثل جزءاً أساسياً من دورها الأمني والعسكري. كما أعلن أمينها العام أكرم الكعبي رفضه مناقشة فكرة تسليم السلاح، مؤكداً أن الحركة ترى أن هذا السلاح أدى دوراً مهماً خلال المواجهة مع تنظيم داعش، وأنها لا تعتزم التخلي عنه.

 

وتُعد "حركة النجباء" إحدى الفصائل المسلحة العراقية التي ترتبط سياسياً وعقائدياً بمحور المقاومة، كما تعلن تأييدها لمبدأ ولاية الفقيه، وشاركت خلال السنوات الماضية في عمليات داخل العراق وسوريا.

 

أما "كتائب حزب الله" العراقية فتُعد من أبرز الفصائل المسلحة وأكثرها نفوذاً وتسليحاً داخل العراق. وترتبط هي الأخرى بمحور المقاومة وتتبنى مبدأ ولاية الفقيه، كما ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بهجمات استهدفت القوات الأمريكية وقواعد التحالف الدولي، إلى جانب امتلاكها قدرات عسكرية متقدمة مقارنة بعدد من الفصائل الأخرى.

 

ورغم عدم إصدار "كتائب حزب الله" موقفاً تفصيلياً من إجراءات الهيكلة الأخيرة، فإنها أبدت رفضها لأي خطوات قد تؤدي إلى إنهاء بنيتها العسكرية المستقلة، محذرة من تداعيات فرض هذا المسار بالقوة، وما قد يسببه من توترات داخلية.

 

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع مؤشرات على وجود دعم دولي، ولا سيما أمريكي، للمشروع الحكومي. فقد رحب المبعوث الأمريكي توم باراك بخطوات حصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أنها تمثل خطوة مهمة لتعزيز الاستقرار وترسيخ السيادة العراقية، فيما وصف مسؤولون أمريكيون الإجراءات الأخيرة بأنها تقدم ملموس في جهود بناء مؤسسات الدولة.

 

من جانبه، رأى الباحث في الشؤون الأمنية كمال الطائي أن العراق يمر بمرحلة مفصلية في هذا الملف، مشيراً إلى أن نجاح مشروع حصر السلاح قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والأمني، في حين أن تعثره قد يفضي إلى تعقيدات إضافية على الساحة العراقية.

 

وأضاف الطائي أن التحدي الأبرز يتمثل في احتمال تشكل اتجاهين متباينين داخل البيت السياسي الشيعي؛ أحدهما يؤيد الاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة، والآخر يفضل الإبقاء على البنية العسكرية المستقلة للفصائل، الأمر الذي قد ينعكس على المشهد السياسي والأمني خلال المرحلة المقبلة.

 

وأوضح أن أي مواجهة مباشرة بين الدولة والفصائل الرافضة للمشروع قد تكون لها تداعيات واسعة على الوضع الداخلي، وقد تمنح أطرافاً خارجية فرصة للتأثير في المشهد العراقي وإعادة ترتيب التوازنات القائمة.

 

وأشار إلى أن الحل الأكثر واقعية يتمثل في استمرار الحوار السياسي والتوصل إلى تسويات تضمن تعزيز سلطة الدولة والحفاظ على الاستقرار الداخلي، مع تجنب أي سيناريوهات قد تدفع نحو التصعيد.

 

ومع استمرار الحكومة العراقية في تنفيذ إجراءات إعادة الهيكلة وتنظيم التشكيلات المسلحة، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الضغوط السياسية والدولية على إقناع الفصائل الرافضة بالانضمام إلى المشروع، أو ما إذا كانت الخلافات الحالية ستؤدي إلى مرحلة جديدة من التجاذبات حول مستقبل السلاح ودوره داخل المشهد العراقي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


العراق سوريا ايران الفصائل المسلحة

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 10