يتجاوز الجدل حول تجنيد الأطفال في إيران مسألة مشاركة مراهقين في أنشطة الباسيج أو الظهور عند نقاط التفتيش، ليكشف عن منظومة تمتد من المدارس إلى الجامعات وصولاً إلى الباسيج والحرس الثوري والأجهزة الأمنية.
مع إطلاق مشروع "مدارس الشرطة" وتزايد التقارير الحقوقية بشأن استقطاب الأطفال والمراهقين، يرى مراقبون أن السلطات الإيرانية تعمل على بناء قاعدة بشرية طويلة الأمد لتغذية مؤسساتها الأمنية والعسكرية.
كشف تقرير لمنظمة العفو الدولية خفض سن التجنيد ضمن حملة "المدافعين عن الوطن" إلى 12 عاماً، مع توثيق مشاركة أطفال ومراهقين في نقاط تفتيش ودوريات أمنية خلال الحرب الأخيرة.
اعتبرت المنظمة أن إشراك الأطفال دون سن 15 عاماً في أنشطة عسكرية قد يرقى إلى جريمة حرب.
أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش تكثيف عمليات استقطاب الأطفال والمراهقين للمشاركة في مهام مرتبطة بالأمن الداخلي.
تحدثت تقارير حقوقية وإعلامية عن مقتل الطفل علي رضا جعفري، البالغ من العمر 11 عاماً، أثناء وجوده في نقطة تفتيش بطهران، في أول حالة موثقة لطفل مجند يُقتل خلال الحرب الأخيرة.
خلال مايو/أيار الماضي، أعلنت قيادة قوى الأمن الداخلي الإيرانية "فراجا" إطلاق مشروع "ثانويات الشرطة"، وهي مدارس مجانية مخصصة للذكور تستهدف الطلاب منذ المرحلة الثانوية لإعداد كوادر أمنية وإدارية للمستقبل.
يستهدف المشروع طلاب الصف التاسع، ما يعني بدء الاستقطاب الأمني في مراحل عمرية مبكرة.
تضم إيران ما بين 16.5 و17 مليون طالب في مختلف المراحل الدراسية، وفق بيانات وزارة التعليم الإيرانية، ما يوفر قاعدة واسعة لعمليات الاختيار والاستقطاب.
لا يقتصر الحضور الأمني على المدارس، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن "الباسيج الطلابي" ينشط داخل نحو 700 جامعة إيرانية ويضم قرابة 650 ألف طالب.
يرتبط نحو 11 ألف أستاذ جامعي بتنظيم "أساتذة الباسيج"، بينما يتجاوز إجمالي أعضائه 15 ألفاً، في حين تؤكد قياداته أن ربع أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات الإيرانية على صلة بالتنظيم.
تشير دراسات أكاديمية إلى أن دور "أساتذة الباسيج" يتجاوز النشاط الأيديولوجي ليشمل التأثير في المناهج الجامعية والتعيينات الأكاديمية والسياسات التعليمية.
ويرى خبراء أن التوسع داخل المؤسسات التعليمية يمثل استجابة مباشرة لأزمة ثقة متنامية بين النظام والأجيال الشابة.
ويشيرون إلى أن الجامعات شكلت على مدى عقود إحدى أبرز ساحات الاحتجاج في إيران، من الحركة الطلابية في التسعينيات إلى احتجاجات عام 2009 ثم احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية".
اكتسب هذا الدور أهمية أكبر بعد احتجاجات عام 2022 التي لعب فيها الطلاب دوراً محورياً.
وثقت تقارير حقوقية مواجهات بين طلاب محتجين وعناصر الباسيج في جامعات شريف الصناعية وأمير كبير وجامعة طهران.
أشارت تقارير أخرى إلى انتشار عناصر أمنية وأفراد بلباس مدني داخل الحرم الجامعي، مع اتساع دور الباسيج الطلابي في مراقبة النشاطات الطلابية والتصدي للاحتجاجات.
تصف دراسات غربية الباسيج الطلابي بأنه أداة لتجنيد العناصر الشابة واختيار الكفاءات العلمية التي يمكن الاستفادة منها لاحقاً في البرامج العسكرية والتقنية الحساسة، بما فيها البرامج الصاروخية والبحثية.
ويرى خبراء أن توسع الباسيج داخل المدارس والجامعات يعكس تحولاً في أولويات النظام الإيراني بعد الضغوط والاحتجاجات التي واجهها خلال السنوات الأخيرة.
ويعتبرون أن طهران باتت تنظر إلى الجبهة الداخلية بوصفها ساحة التهديد الرئيسية، لذلك تعمل على بناء احتياطي بشري وأيديولوجي طويل الأمد يبدأ من المراحل التعليمية المبكرة.
ويضيفون أن إنشاء مدارس الشرطة وتوسيع شبكات الباسيج الطلابي لا يهدف فقط إلى رفد الأجهزة الأمنية بالعناصر، بل إلى إنتاج جيل يعتبر حماية النظام جزءاً من هويته السياسية والاجتماعية.
بينما تصف السلطات الإيرانية هذه السياسات بأنها استثمار في الأمن والانضباط الوطني، تعتبرها منظمات حقوقية ومعارضون عملية عسكرة متدرجة للتعليم تبدأ من الصفوف الدراسية وتمتد إلى الباسيج والحرس الثوري بهدف ضمان ولاء أجيال جديدة للنظام مستقبلاً.