أثار أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إدارة المفاوضات الخارجية، ولا سيما مع إيران، نقاشاً متجدداً حول ما إذا كانت الدبلوماسية التي ينتهجها تشكل مدخلاً للتسويات أم أداة تمهّد لعمليات عسكرية لاحقة.
وفي هذا السياق، نشر الكاتب براهما شيلاني مقالاً في صحيفة "ذا هيل" الأميركية وصف فيه نهج ترامب بـ"دبلوماسية الكمائن"، معتبراً أن الرئيس الأميركي يوظف المفاوضات لإرباك خصومه وكسب الوقت قبل الانتقال إلى خيارات أكثر تشدداً.
استشهد المقال بملفات عدة، من بينها إيران وفنزويلا وسوريا، معتبراً أن إدارة ترامب تجمع بين الضغط السياسي والتهديد العسكري ضمن إطار تفاوضي واحد.
لكن مراجعة محطات بارزة من الولاية الأولى للرئيس الأميركي تكشف أن قراراته لم تكن دائماً في اتجاه التصعيد العسكري، بل اتسمت في مناسبات عدة بتفضيل المسار السياسي على المواجهة المباشرة.
ففي عام 2019، امتنع ترامب عن تنفيذ رد عسكري ضد إيران بعد إسقاط طائرة أميركية مسيّرة، كما أحجم عن توجيه ضربات مباشرة عقب الهجوم الذي استهدف منشآت أرامكو النفطية في السعودية، مفضلاً الاستمرار في سياسة العقوبات والضغوط الاقتصادية.
شهدت تلك المرحلة تباينات واضحة بين ترامب وعدد من مستشاريه المعروفين بمواقفهم المتشددة تجاه طهران، في وقت تمسك فيه بإبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
كما اقتصر استخدام القوة العسكرية على ملفات اعتبرتها واشنطن مرتبطة بتهديدات مباشرة للمصالح الأميركية أو بحسابات أمنية محددة.
ومع عودته إلى البيت الأبيض، بدا ترامب أكثر ميلاً إلى استخدام أدوات الردع مقارنة بفترته الرئاسية الأولى، إلا أن ذلك لم يتحول إلى استراتيجية ثابتة تقوم على الحرب أو على استغلال المفاوضات كغطاء لتحركات عسكرية.
وتشير قراءات سياسية إلى أن العمليات العسكرية التي اتخذتها الإدارة الأميركية خلال الفترة الأخيرة جاءت نتيجة تطورات ميدانية وضغوط إقليمية متراكمة، أكثر من كونها جزءاً من خطة مسبقة لإفشال المسارات الدبلوماسية.
كما أظهرت مواقف لاحقة للرئيس الأميركي حرصاً على الحد من اتساع المواجهات في بعض الملفات الإقليمية، رغم دعوات صدرت من أطراف مختلفة لتوسيع نطاق العمليات العسكرية.
يستند الرافضون لنظرية "دبلوماسية الكمائن" إلى مواقف سابقة أبدى خلالها ترامب استعداده للقاء مسؤولين إيرانيين والتوصل إلى تفاهمات مباشرة، إضافة إلى طرح مبادرات سياسية واقتصادية هدفت إلى تخفيف التوتر بين واشنطن وطهران.
ويرى متابعون أن شخصية ترامب السياسية تدفعه أحياناً إلى تبني مواقف أكثر تشدداً عندما تتعثر المفاوضات أو تتراجع فرص التوصل إلى اتفاق، لكن ذلك لا يشكل دليلاً على وجود سياسة ممنهجة تقوم على الخداع الدبلوماسي.
وفي ظل غياب وثائق أو معطيات رسمية تؤكد استخدام المفاوضات كغطاء لتحركات عسكرية مخطط لها مسبقاً، يبقى توصيف "دبلوماسية الكمائن" قراءة تحليلية وردت في صحيفة "ذا هيل"، أكثر من كونه استنتاجاً تدعمه أدلة قاطعة.
يبقى الجدل قائماً بين من يرى أن ترامب يوظف التفاوض ضمن سياسة ضغط وردع متعددة الأدوات، ومن يعتبر أن قراراته العسكرية جاءت نتيجة فشل المسارات السياسية وليس تنفيذاً لخطة معدة سلفاً.