العمليات العسكرية تربك مسار التهدئة
أثارت التطورات الميدانية المتسارعة في جنوب لبنان تساؤلات واسعة حول مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، الذي أعلنت الولايات المتحدة التوصل إليه فجر الخميس، بعدما كشفت مصادر أمنية إسرائيلية أن التفاهمات المعلنة تواجه تحديات جدية قد تهدد استمراريتها على الأرض.
واقع ميداني مختلف
وأفادت مصادر أمنية في تل أبيب بأن الوضع العملياتي جنوب لبنان لا يعكس حتى الآن مضمون التفاهمات التي أُعلن عنها، مشيرة إلى أن القوات الإسرائيلية تواصل تنفيذ أنشطتها العسكرية الميدانية من دون تلقي أوامر جديدة تتعلق بوقف العمليات أو تعديل قواعد الاشتباك.
ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن تلك المصادر أن استمرار النشاط العسكري في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني يثير شكوكاً متزايدة بشأن قدرة الاتفاق على الصمود، ويعزز المخاوف من تحوله إلى تفاهم سياسي غير قابل للتنفيذ الكامل على الأرض.
تحذيرات إسرائيلية
وفي مؤشر لافت على استمرار التوتر، أصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، صباح الخميس، تحذيراً لسكان جنوب لبنان دعاهم فيه إلى عدم التحرك باتجاه المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، مؤكداً أن العمليات العسكرية ضد ما وصفها ببؤر التوتر التابعة لحزب الله ما زالت مستمرة.
واعتبرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن هذا التحذير يُعد الأول من نوعه منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين.
الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته
من جانبها، نقلت صحيفة "هآرتس" عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين قولهم إن التوجيهات الأمريكية المتعلقة بوقف إطلاق النار لا تشمل في هذه المرحلة المناطق التي تنتشر فيها القوات البرية الإسرائيلية داخل جنوب لبنان.
وأضافت المصادر أن التقييمات الميدانية لدى القادة العسكريين لم تتغير، وأن التهديدات ما زالت قائمة وفق الرؤية العسكرية الإسرائيلية، الأمر الذي أبقى المهام القتالية على حالها تقريباً، بما يشمل مواصلة استهداف البنية التحتية التابعة لحزب الله وتعقب مخازن الأسلحة وتدميرها.
ارتياح مفقود داخل المؤسسة العسكرية
وكشفت مصادر أمنية إسرائيلية عن حالة من عدم الارتياح داخل المستويات القيادية في الجيش، في ظل ما وصفته بتأثير القرارات السياسية الخارجية على سير العمليات العسكرية.
وأشارت المصادر إلى أن عدداً من كبار الضباط أعربوا عن استيائهم من الوضع الراهن، معتبرين أن القرارات المرتبطة باستخدام القوة أصبحت مرتبطة بصورة غير مسبوقة بمواقف تصدر خارج المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
وأضافت أن حالة عدم اليقين باتت جزءاً أساسياً من المشهد العسكري، إذ تُعد الخطط العملياتية وتُحشد القوات وتُجهز المهام الميدانية المعقدة من دون وضوح كامل بشأن إمكانية استمرارها أو تعليقها في أي لحظة تبعاً للتطورات السياسية.
تفاهم أمريكي مشروط
وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت فجر الخميس التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان بعد مفاوضات ورعاية أمريكية مباشرة.
كما أكد مصدر غربي مطلع أن الجانبين توصلا إلى تفاهمات تتعلق بوقف شامل لإطلاق النار، مشيراً إلى أن تنفيذ الاتفاق يرتبط باتخاذ حزب الله خطوات محددة ضمن إطار الترتيبات المتفق عليها.
وأوضح المصدر أن بياناً مشتركاً صدر عقب المفاوضات أكد موافقة لبنان وإسرائيل على المضي في تنفيذ وقف إطلاق النار نتيجة للمحادثات التي قادتها واشنطن.
وبحسب ما ورد في البيان، فإن أحد الشروط الأساسية للتنفيذ يتمثل في التزام حزب الله بوقف كامل لإطلاق النار، إلى جانب انسحاب عناصره من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني.
اختبار التنفيذ
ورغم الإعلان الرسمي عن التفاهمات، تشير المعطيات الميدانية إلى أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير الاتفاق. فاستمرار العمليات العسكرية والتحذيرات المتبادلة يضعان التهدئة أمام اختبار عملي معقد، فيما تبقى الأنظار موجهة إلى مدى قدرة الأطراف المعنية على ترجمة الالتزامات السياسية إلى خطوات ميدانية تضمن تثبيت وقف إطلاق النار ومنع عودة التصعيد.