أمريكا تعيد رسم قواعد الناتو بميزان الإنفاق

2026.06.04 - 10:23
Facebook Share
طباعة

اختبار جديد للحلفاء
يتجه حلف شمال الأطلسي "الناتو" إلى مرحلة جديدة من إعادة تقييم الأدوار والمسؤوليات بين ضفتي الأطلسي، بعدما وضعت الولايات المتحدة الإنفاق الدفاعي والجاهزية العسكرية في صلب معاييرها لتقييم التزام الحلفاء الأوروبيين. وبينما تدفع واشنطن نحو تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية، تسعى في الوقت ذاته إلى تخفيف اعتماد القارة على الوجود العسكري الأمريكي المباشر، في إطار مراجعة أوسع لأولوياتها الاستراتيجية العالمية.


الإنفاق أولاً
كشف مصدر دبلوماسي أمريكي مطلع أن الإدارة الأمريكية طلبت من عدد من الحكومات الأوروبية تقديم جداول زمنية واضحة لعقود شراء الذخائر ومنظومات الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، إلى جانب خطط مفصلة لتقليص الاعتماد على القوات الأمريكية في مهام الردع والانتشار على الجناح الشرقي للحلف.
وبحسب المصدر، أصبحت مساهمة الدول الأعضاء في تعزيز قدراتها الدفاعية معياراً أساسياً في تقييم دورها داخل "الناتو"، مع تركيز خاص على سرعة تنفيذ الالتزامات وتحويلها إلى قدرات عسكرية فعلية.


رسالة هيغسيث
وجاءت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث خلال حوار شانغريلا في سنغافورة لتؤكد هذا التوجه، إذ دعا الحلفاء الأوروبيين إلى الالتزام بهدف تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للأمن والدفاع بحلول عام 2035، وفق ما تم الاتفاق عليه خلال قمة لاهاي.
ويتضمن هذا الهدف تخصيص 3.5% للإنفاق الدفاعي المباشر و1.5% للبنية التحتية والقدرات المرتبطة بالجاهزية الأمنية.


أولويات أمريكية
ووفق المصدر الأمريكي، تميز واشنطن بين الحلفاء بناءً على موقعهم الجغرافي وسرعة استجابتهم للمخاطر الأمنية، حيث تحظى بولندا ودول البلطيق ورومانيا بأولوية متقدمة بسبب رفع إنفاقها الدفاعي واستعدادها لاستضافة قوات ومخازن عسكرية متقدمة.
كما يرتبط الضغط الأمريكي الحالي بمراجعات داخل وزارة الدفاع الأمريكية تهدف إلى إعادة توزيع الموارد العسكرية بين أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما يمنح واشنطن مرونة أكبر في مواجهة التحديات المرتبطة بالصين.


استجابة أوروبية
في المقابل، أكد مصدر دبلوماسي أوروبي أن الضغوط الأمريكية دفعت الاتحاد الأوروبي إلى تسريع مراجعة أولوياته الدفاعية، خصوصاً في مجالات الذخائر والدفاع الجوي والصاروخي والطائرات المسيّرة.
وتعمل المفوضية الأوروبية من خلال خطة "الجاهزية 2030" وأداة "SAFE" على تسريع برامج التسليح المشتركة، عبر توفير قروض تصل إلى 150 مليار يورو، ضمن خطة أوسع تهدف إلى تعبئة أكثر من 800 مليار يورو لدعم القدرات الدفاعية الأوروبية.


خلافات التمويل
ورغم توافق العواصم الأوروبية على ضرورة تعزيز القدرات العسكرية، لا تزال الخلافات قائمة حول وجهة الإنفاق الدفاعي الجديد.
فبينما تميل بعض الحكومات إلى شراء مزيد من المعدات الأمريكية للحفاظ على الشراكة العسكرية مع واشنطن، تدفع فرنسا وعدد من الدول الأوروبية نحو توجيه الاستثمارات إلى الصناعات الدفاعية الأوروبية.
وبرز هذا التوجه مع قرار الدنمارك اختيار منظومة الدفاع الجوي الأوروبية "سامب/تي إن جي" بدلاً من منظومة "باتريوت" الأمريكية.


تحديات التنفيذ
وتواجه بعض الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا وعدد من دول وسط القارة، صعوبات مالية وسياسية قد تعرقل زيادة الإنفاق العسكري، في ظل الضغوط المرتبطة بالعجز المالي وكلفة الطاقة والإنفاق الاجتماعي.
وتخشى بروكسل أن يتحول هدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى التزام سياسي غير مصحوب بخطوات تنفيذية كافية لإقناع واشنطن بجدية التحول الأوروبي.


شراكة على المحك
تدخل العلاقات الدفاعية بين الولايات المتحدة وأوروبا مرحلة اختبار حاسمة، عنوانها الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ. وبينما تسعى واشنطن إلى تقليص أعبائها العسكرية المباشرة داخل القارة، يواجه الأوروبيون تحدي بناء قدرات ردع أكثر استقلالية دون المساس بأسس الشراكة الأطلسية. ويبقى نجاح هذه المعادلة مرهوناً بسرعة تحويل الخطط والتمويلات المعلنة إلى قوة عسكرية فعلية تعزز موقع أوروبا داخل "الناتو" وتواكب المتغيرات الأمنية المتسارعة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


الناتو الولايات المتحدة أوروبا

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 7