صندوق النقد: الفساد أطاح بالاقتصاد اللبناني

2026.06.04 - 07:15
Facebook Share
طباعة

أعاد التقرير التشخيصي الأخير حول الحوكمة والفساد في لبنان، الصادر عن صندوق النقد الدولي مطلع حزيران، تسليط الضوء على الأسباب العميقة التي قادت البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات المالية والاقتصادية في تاريخها الحديث. فالتقرير، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره من أبرز الوثائق التي تناولت الواقع اللبناني منذ اندلاع الانهيار المالي، لا يكتفي برصد الاختلالات الاقتصادية، بل يذهب أبعد من ذلك عبر ربط الأزمة بشكل مباشر بترسّخ الفساد وضعف الحوكمة داخل مؤسسات الدولة والقطاع المالي.

 

ويقدم التقرير مراجعة شاملة لمكامن الخلل في الإدارة العامة والمالية العامة والهيئات الرقابية، كما يتناول أداء مصرف لبنان والمؤسسات المعنية بالرقابة والإشراف، معتبراً أن غياب الشفافية والمساءلة وسوء الإدارة شكّلت عوامل أساسية في تعميق الانهيار وتفاقم تداعياته. ويخلص بوضوح إلى أن الفساد لم يكن نتيجة للأزمة، بل أحد أبرز أسبابها ومحركاتها الرئيسية.

 

ويأتي إعداد التقرير في إطار التعاون التقني والفني بين لبنان وصندوق النقد خلال السنوات الماضية، حيث استكملت مراجعته النهائية وتعديلاته في وقت سابق قبل أن يتم نشره كاملاً لاحقاً، ليكشف تفاصيل واسعة حول واقع مؤسسات الدولة وآليات إدارتها.

 

وفي ما يتعلق بالقطاع المالي، يولي التقرير أهمية خاصة لدور مصرف لبنان خلال السنوات التي سبقت الانهيار وما تلاها، معتبراً أن الإطار القانوني الناظم لعمل المصرف المركزي يحتاج إلى تعديلات جوهرية. ويرى أن بعض الصلاحيات الممنوحة للحاكم أسهمت في تكريس اختلالات بنيوية، داعياً إلى تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية وفصلها عن المصرف المركزي، بما يضمن فعالية الرقابة والحد من تضارب المصالح.

 

كما يشدد التقرير على ضرورة إعادة النظر في آليات عمل الجهات المكلفة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بما يرسخ استقلاليتها ويرفع مستوى الرقابة والشفافية في القطاع المالي، وهو ما يراه الصندوق جزءاً أساسياً من أي عملية إصلاح جدية تهدف إلى استعادة الثقة بالنظام المصرفي اللبناني.

 

أما على صعيد المالية العامة، فيرسم التقرير صورة قاتمة عن واقع الجمارك والإدارات الضريبية، متحدثاً عن ثغرات واسعة في أنظمة التحصيل والرقابة والإعفاءات الضريبية. ويعتبر أن لبنان بحاجة إلى إصلاح ضريبي شامل يعيد تنظيم آليات إعداد الموازنات وفرض الرسوم والضرائب، ويحد من التهرب الضريبي ويعزز العدالة الضريبية.

 

ولا يتوقف النقد عند هذا الحد، إذ يسلط التقرير الضوء على قطاعات حيوية لطالما ارتبطت بهدر المال العام، وفي مقدمتها قطاع الكهرباء، الذي يصفه بأنه من أكثر القطاعات عرضة للفساد وسوء الإدارة، نتيجة التوظيف السياسي وضعف الحوكمة والشبهات التي أحاطت بملفات التلزيم والمناقصات. كما يشير إلى استمرار المشكلات ذاتها في قطاع الاتصالات، حيث لا تزال الشفافية والرقابة الفعالة غائبتين في ظل تداخل الصلاحيات وتضارب الأدوار بين الجهات المنظمة والسلطات المشرفة.

 

ومن الناحية السياسية والاقتصادية، يحمل التقرير رسالة واضحة مفادها أن الأزمة اللبنانية ليست مجرد أزمة مالية أو نقدية، بل هي أزمة إدارة وحوكمة ومؤسسات. كما يؤكد أن أي محاولة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي أو معالجة ملف الودائع أو الحصول على برنامج تمويلي دولي لن تكون ممكنة من دون تنفيذ إصلاحات عميقة وجذرية تطال بنية الدولة ومؤسساتها الرقابية والمالية.

 

كذلك يربط التقرير بشكل مباشر بين استعادة ثقة المجتمع الدولي وبين قدرة الدولة اللبنانية على إظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية وتفعيل آليات المحاسبة. ويشير إلى أن أي دعم خارجي أو مساهمة في إعادة إنعاش الاقتصاد ستبقى رهناً بمدى جدية السلطات في تنفيذ هذه الإصلاحات.

 

وفي ما يخص المودعين، يضع التقرير حماية الحقوق واستعادة الثقة في صلب أي خطة إنقاذية، مؤكداً أن معالجة الأزمة المصرفية يجب أن تتم ضمن إطار واضح وشفاف يخضع للرقابة والمساءلة، بعيداً عن الحلول الاستثنائية أو التسويات غير الواضحة التي قد تؤدي إلى تحميل الخسائر للفئات الأضعف.

 

وتفيد المعطيات المتصلة بمسار التفاوض مع صندوق النقد بأن التوصيات الواردة في التقرير لا تُعد مجرد مقترحات نظرية، بل تشكل جزءاً أساسياً من الإصلاحات المنتظر تنفيذها في المرحلة المقبلة. فالصندوق يربط أي اتفاق محتمل مع لبنان بإقرار حزمة من القوانين والإجراءات الإصلاحية، تشمل معالجة الفجوة المالية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتحسين إدارة المالية العامة، إلى جانب تطبيق معايير صارمة في الشفافية والمحاسبة ومكافحة الفساد.

وبذلك يتحول التقرير إلى ما يشبه خارطة طريق إلزامية لأي مسار إنقاذ اقتصادي مستقبلي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الدولة اللبنانية لإثبات قدرتها على الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ، بعدما بات المجتمع الدولي ينظر إلى الإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد باعتبارهما المدخل الأساسي لأي دعم مالي أو استثماري مرتقب. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 10