لبنان.. ساحة أربكت رهانات تل أبيب

2026.06.03 - 06:16
Facebook Share
طباعة

مع استمرار العمليات العسكرية في جنوب لبنان، تتزايد التساؤلات داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية بشأن قدرة الاستراتيجية الحالية على تحقيق أهدافها المعلنة، في ظل تطورات ميدانية فرضت تحديات جديدة على القوات الإسرائيلية وأعادت النقاش حول جدوى استمرار التوغل داخل الأراضي اللبنانية.

 

وتشير تقديرات وتحليلات متداولة في وسائل إعلام غربية وإسرائيلية إلى أن التطورات الأخيرة أظهرت أن المواجهة باتت أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً في بدايتها. فبينما ركزت الخطط الإسرائيلية على إبعاد التهديدات العسكرية عن المناطق الحدودية الشمالية وإنشاء نطاق أمني يمنع اقتراب عناصر حزب الله من الحدود، برزت متغيرات ميدانية قلّصت من فعالية بعض هذه التصورات.

 

ومن بين أبرز هذه المتغيرات الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة الصغيرة من قبل حزب الله، والتي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في ساحة القتال. وتلفت تقارير عسكرية إلى أن بعض هذه المسيّرات تعتمد على تقنيات اتصال مختلفة عن الأنظمة التقليدية، الأمر الذي صعّب عملية التعامل معها باستخدام وسائل الحرب الإلكترونية المعتادة.

 

ورغم أن تأثير هذه المسيّرات لا يقارن من حيث حجم الخسائر البشرية والمادية بالقدرات النارية المستخدمة خلال الحرب، فإنها فرضت تحديات عملياتية متواصلة على القوات الإسرائيلية المنتشرة في المناطق الحدودية وفي بعض المواقع داخل الأراضي اللبنانية. كما ساهمت في زيادة الضغوط الأمنية على الوحدات العسكرية العاملة في الميدان من خلال استهداف مواقع وتحركات عسكرية بشكل متكرر.

 

ويرى عدد من الخبراء العسكريين أن التحول في استخدام المسيّرات يعكس تطوراً في طبيعة المواجهة، حيث لم تعد المعركة تقتصر على الصواريخ التقليدية أو الاشتباكات المباشرة، بل باتت تشمل أدوات تكنولوجية منخفضة الكلفة نسبياً وقادرة على إحداث تأثير ميداني مستمر.

 

وفي موازاة التحديات العسكرية، تواجه الحكومة الإسرائيلية معضلة سياسية وأمنية تتعلق بكيفية تحقيق أهدافها المعلنة في لبنان من جهة، والاستجابة للضغوط الدولية، ولا سيما الأمريكية، من جهة أخرى. فقد برز خلال الأشهر الماضية تباين في الأولويات بين واشنطن وتل أبيب بشأن مستوى التصعيد المطلوب وآفاق إنهاء المواجهة.

 

وتشير المعطيات إلى أن الإدارة الأمريكية ركزت على منع توسع الحرب إلى مستويات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي، فيما فضلت أطراف داخل إسرائيل مواصلة الضغوط العسكرية سعياً إلى فرض واقع أمني جديد على الحدود الشمالية.

 

وأدى هذا التباين إلى بروز نقاشات داخل إسرائيل حول مدى واقعية الأهداف المطروحة. فبعض المحللين يرون أن الشعارات التي رافقت انطلاق العمليات العسكرية اصطدمت بوقائع ميدانية وسياسية أكثر تعقيداً، ما دفع صناع القرار إلى إعادة تقييم سقف التوقعات والنتائج الممكن تحقيقها.

 

كما تتزايد المخاوف داخل بعض الدوائر الأمنية الإسرائيلية من أن يتحول الوجود العسكري المستمر داخل الأراضي اللبنانية إلى عبء طويل الأمد، خصوصاً في ظل التجارب السابقة التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. ويستحضر عدد من المسؤولين والخبراء تجربة المنطقة الأمنية التي أقامتها إسرائيل في جنوب لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي واستمرت لسنوات طويلة قبل الانسحاب منها.

 

ويحذر أصحاب هذا الرأي من أن التمركز العسكري الثابت قد يمنح خصوم إسرائيل فرصاً أكبر لتنفيذ عمليات استنزاف متواصلة، كما قد يؤدي إلى إطالة أمد المواجهة بدلاً من تقليصها.

 

في المقابل، تبرز وجهة نظر أخرى تعتبر أن الحلول السياسية والتفاهمات الإقليمية قد توفر مخرجاً أكثر استدامة من الاعتماد الحصري على الأدوات العسكرية. ويرى مؤيدو هذا الطرح أن أي تفاهمات أوسع تساهم في تثبيت وقف إطلاق النار واحتواء التوتر على الحدود قد تكون أكثر فاعلية على المدى البعيد من استمرار الانتشار العسكري في مناطق معرضة للاستهداف.

 

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الحرب في جنوب لبنان أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والدبلوماسية. فبعد أن انطلقت العمليات بهدف تقليص قدرات حزب الله وإبعاد مصادر التهديد عن الحدود، باتت النقاشات تتركز بصورة متزايدة حول كيفية تحقيق الأمن والاستقرار من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة أو وجود عسكري طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية.

 

وتعكس هذه التطورات أن التحدي لم يعد يقتصر على التعامل مع القدرات العسكرية للحزب فحسب، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بإيجاد صيغة توازن بين المتطلبات الأمنية والاعتبارات السياسية، في منطقة لطالما شكلت مسرحاً لصراعات معقدة تتجاوز حدود المواجهة الميدانية المباشرة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


اسرائيل ترامب حزب الله لبنان

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 6