مستقبل اليونيفيل يثير جدلاً دولياً متصاعداً بلبنان

2026.05.30 - 19:04
Facebook Share
طباعة

 يدخل ملف قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" مرحلة مفصلية مع اقتراب انتهاء تفويضها، وسط نقاشات دولية متسارعة حول مستقبل وجودها في جنوب لبنان، في ظل استمرار التوتر على الحدود الجنوبية والخروقات الإسرائيلية المتواصلة واتساع التعقيدات السياسية والأمنية المرتبطة بالمنطقة.

وتتزامن هذه التطورات مع استعداد الأمين العام للأمم المتحدة لتقديم تقريره إلى مجلس الأمن بشأن مستقبل القوة الدولية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمريكية والإسرائيلية الداعية إلى إنهاء المهمة أو إدخال تعديلات جوهرية على طبيعة عملها، مقابل تمسك لبناني باستمرار الوجود الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة.

 

دور مستمر منذ عقود

تأسست قوة اليونيفيل عام 1978 لمراقبة الأوضاع في جنوب لبنان، قبل أن تتوسع مهامها بصورة كبيرة عقب حرب عام 2006 بموجب القرار الدولي 1701، الذي أوكل إليها مهمة مراقبة وقف الأعمال القتالية ودعم انتشار الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية.

وخلال العقود الماضية لعبت القوة الدولية دوراً محورياً في خفض مستويات التوتر من خلال الدوريات الميدانية وآليات التنسيق والاتصال بين الأطراف المعنية، إلا أن وجودها لم يمنع اندلاع مواجهات وحروب متكررة، ما أظهر حدود قدرتها على منع التصعيد بشكل كامل في بيئة أمنية شديدة التعقيد.

 

تمسك لبناني بالوجود الدولي

تؤكد السلطات اللبنانية أن استمرار وجود قوة دولية في الجنوب يمثل عنصراً أساسياً في الحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع.

ويرى المسؤولون اللبنانيون أن بقاء قوة دولية، حتى في حال تعديل هيكليتها أو تقليص حجمها، يضمن استمرار الرقابة على تنفيذ القرار 1701 ويوفر آلية دولية لمتابعة التطورات الميدانية والتحقق من الانتهاكات والخروقات.

كما تعتبر بيروت أن غياب هذه القوة سيؤدي إلى إضعاف آليات المراقبة الدولية ويزيد من صعوبة تنفيذ أي تفاهمات أو ترتيبات أمنية مستقبلية على الحدود.

ويستند الموقف اللبناني أيضاً إلى أهمية الدور الذي تؤديه اليونيفيل في دعم انتشار الجيش اللبناني جنوباً، ضمن مسار طويل يهدف إلى تعزيز حضور مؤسسات الدولة في المناطق الحدودية.

 

سيناريوهات مطروحة داخل الأمم المتحدة

تدور النقاشات داخل الأروقة الدولية حول عدة خيارات تتعلق بمستقبل القوة الأممية، أبرزها الإبقاء على اليونيفيل مع إدخال تعديلات على حجمها أو طبيعة مهامها بما يتناسب مع التطورات الحالية.

كما يُطرح خيار توسيع دور هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة ومنحها صلاحيات أكبر في الجنوب اللبناني، رغم محدودية إمكاناتها الحالية مقارنة بقدرات اليونيفيل وانتشارها الميداني.

غير أن هذه السيناريوهات تواجه تباينات سياسية داخل مجلس الأمن، حيث تدفع الولايات المتحدة وإسرائيل باتجاه تقليص المهمة أو إنهائها، بينما تؤيد دول أخرى استمرار الوجود الأممي باعتباره عاملاً مهماً في الحفاظ على الاستقرار.

 

بدائل خارج الإطار الأممي

في حال عدم التوصل إلى توافق دولي بشأن تمديد مهمة اليونيفيل، تبرز مقترحات تتعلق بإنشاء قوة متعددة الجنسيات خارج إطار الأمم المتحدة، أو الاعتماد على ترتيبات أمنية تشارك فيها دول أوروبية منخرطة حالياً ضمن القوة الدولية.

وتشمل هذه الطروحات مساهمات محتملة من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا، إلا أن مثل هذه الخيارات تواجه تحديات تتعلق بآليات القيادة والتمويل والتنسيق السياسي والعسكري بين الدول المشاركة.

ويرى مراقبون أن تعدد المرجعيات قد يحد من فعالية أي قوة بديلة مقارنة بالإطار الأممي الذي يوفر غطاءً قانونياً وسياسياً موحداً.

 

مخاوف من فراغ أمني

يبقى السيناريو الأكثر إثارة للقلق هو انسحاب القوة الدولية من دون توفير بديل واضح ومنظم، وهو احتمال يثير مخاوف من حدوث فراغ أمني على طول الحدود الجنوبية.

ويحذر مسؤولون وخبراء من أن غياب جهة دولية رقابية قد يؤدي إلى تصاعد التوترات الميدانية وزيادة احتمالات المواجهة المباشرة، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق حدودية واستمرار العمليات العسكرية والخروقات المتبادلة.

كما أن غياب جهة محايدة لتوثيق الوقائع الميدانية قد يفاقم الخلافات حول المسؤولية عن الانتهاكات ويزيد من حدة النزاعات السياسية والإعلامية بين الأطراف المختلفة.

 

تحديات ميدانية متزايدة

شهدت الأشهر الأخيرة تعرض مواقع ودوريات تابعة لليونيفيل لاعتداءات وإطلاق نار خلال عملها في مناطق جنوب لبنان، ما أدى إلى وقوع إصابات بين عناصرها وأثار قلقاً داخل الأمم المتحدة.

وتعتبر المنظمة الدولية أن استهداف أفراد القوة الدولية يمثل انتهاكاً للقرارات الدولية ويقوض جهود الحفاظ على الاستقرار، مؤكدة ضرورة توفير الحماية الكاملة لعناصرها وضمان قدرتهم على أداء مهامهم دون عوائق.

وتعكس هذه الحوادث حجم التحديات الأمنية التي تواجه القوة الدولية في بيئة تشهد توترات مستمرة وتطورات ميدانية متسارعة.

 

صراع مواقف داخل مجلس الأمن

يترافق النقاش حول مستقبل اليونيفيل مع تجاذبات سياسية واضحة داخل مجلس الأمن الدولي، حيث تدعم بعض الدول استمرار المهمة مع إجراء إصلاحات تدريجية، بينما تضغط أطراف أخرى باتجاه إنهائها أو تقليص دورها بشكل كبير.

كما يبرز عامل التمويل كأحد الملفات المؤثرة، في ظل اتجاهات دولية متزايدة لتقليص الإنفاق على عمليات حفظ السلام، وهو ما انعكس خلال السنوات الأخيرة على ميزانيات العديد من البعثات الأممية.

في المقابل، تؤكد دول عدة أهمية الحفاظ على الدور الذي تؤديه اليونيفيل في جنوب لبنان، معتبرة أن أي انسحاب غير مدروس قد ينعكس سلباً على الاستقرار الإقليمي.

 

مستقبل مرتبط بالتوازنات الدولية

يبقى مصير اليونيفيل مرتبطاً إلى حد كبير بالتوازنات السياسية داخل مجلس الأمن وبطبيعة التفاهمات الدولية بشأن الوضع في جنوب لبنان.

وفي ظل استمرار التوترات الميدانية وغياب تسوية نهائية للنزاعات القائمة، يرى مراقبون أن أي قرار بشأن القوة الدولية ستكون له انعكاسات مباشرة على الاستقرار الحدودي وعلى مستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 4

اقرأ أيضاً