تراث العيد لا يغيب
تواصل العائلات السورية في الريف السوري التمسك بإحياء الأكلات الشعبية والتراثية خلال الأعياد، باعتبارها جزءاً من الهوية الاجتماعية والثقافية التي تجمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، في مواجهة أنماط الحياة الحديثة والوجبات السريعة التي فرضت حضورها خلال السنوات الأخيرة.
الهريسة تتصدر المشهد
وتأتي أكلة “الهريسة” في مقدمة الأطباق التراثية الأكثر حضوراً في الأعياد، إذ تُحضّر من القمح المهروس داخل أجران حجر البازلت، وتُطهى في قدور كبيرة تكفي أفراد العائلة والأحفاد، في مشهد يعكس روح المشاركة والتكافل العائلي.
ويحرص كثيرون على طهي الهريسة فوق نار الحطب، معتبرين أن نضجها البطيء على أغصان الأشجار اليابسة يمنحها نكهة مميزة لا يوفرها الطهي على الغاز.
طقوس جماعية
وتتطلب الهريسة خفقاً متواصلاً حتى يمتزج اللحم بالحنطة ويصبح قوامها متماسكاً بطريقة تُعرف محلياً بـ”التشليل”، وهي مهمة يتولاها الرجال غالباً لما تحتاجه من جهد وخبرة متوارثة عبر الأجيال.
ويصف الأهالي هذه اللحظات بأنها من أجمل طقوس العيد، حيث تجتمع العائلة لإحياء تقاليد الماضي ونقلها إلى الأبناء والأحفاد. كما تُضاف إلى الطبق حبات الحمص والفلفل الأسود، ويُقدَّم أحياناً مع لبن الغنم والمخللات المنزلية.
بين الحطب والغاز
ورغم اضطرار بعض سكان المدن والشقق الحديثة إلى إعداد الهريسة على الغاز لغياب المساحات المفتوحة، فإن كثيرين يؤكدون أن نكهتها الأصلية تبقى مرتبطة بنار الحطب والطبخ الريفي التقليدي.
ذاكرة الريف الحية
ويرى باحثون أن الهريسة تعود إلى تقاليد قديمة مرتبطة بمواسم الحصاد والولائم الجماعية والنذور، فيما لا تزال تحتفظ بمكانتها كرمز للدفء الاجتماعي والترابط العائلي في أرياف سوريا، حيث يعتبرها السكان أكثر من مجرد طعام، بل جزءاً من ذاكرة المكان وروح العيد.