امتلاء استثنائي في بحيرة سد الفرات
شهد نهر الفرات في سوريا ارتفاعاً كبيراً وغير معتاد في منسوب المياه بعد سنوات طويلة من التراجع الحاد والجفاف، ما أدى إلى امتلاء شبه كامل لبحيرة سد الفرات واقترابها من السعة التخزينية القصوى، في تطور وُصف بأنه غير مسبوق منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
وبحسب معطيات فنية نقلها مختصون في قطاع السدود، فإن كميات المياه الوافدة خلال الموسم الحالي ارتفعت بشكل ملحوظ نتيجة هطولات مطرية غزيرة في حوض النهر، ما تسبب بتدفق نحو خمسة مليارات متر مكعب إضافية إلى البحيرة، لترتفع نسبة التخزين إلى نحو سبعة وتسعين في المئة من القدرة الإجمالية.
إجراءات تشغيلية لفتح بوابات المفيض
هذا الامتلاء السريع دفع الجهات المشغلة لسد الفرات إلى اتخاذ إجراءات تشغيلية عاجلة، تمثلت في رفع معدلات تصريف المياه إلى مستويات أعلى من المعدلات المخططة سابقاً، مع فتح عدة بوابات للمفيض بشكل تدريجي بهدف التحكم بالواردات المائية ومنع أي ضغط زائد على جسم السد.
وتمت زيادة التصريف من معدلات كانت تقارب مئتين وتسعين متراً مكعباً في الثانية إلى مستويات وصلت إلى نحو ثمانمئة متر مكعب في الثانية، مع توقعات بوصولها إلى حدود أعلى في حال استمرار تدفق المياه، الأمر الذي يفسر اللجوء إلى فتح بوابات إضافية ضمن منظومة المفيض.
خصائص سد الفرات ودوره الحيوي
يقع سد الفرات، المعروف أيضاً بسد الطبقة، على مجرى النهر في منطقة تبعد نحو خمسين كيلومتراً غرب مدينة الرقة، ويُعد من أكبر المنشآت المائية في البلاد، إذ يمتد بطول يقارب أربعة كيلومترات ونصف، وبعرض يتغير بين قاعدته وأعلاه وفق التصميم الهندسي المعتمد.
وقد شُيّد السد باستخدام الخرسانة المسلحة والحديد، وصُمم ليقاوم نشاطاً زلزالياً يصل إلى سبع درجات على مقياس ريختر، كما يحتجز خلفه بحيرة ضخمة تتجاوز سعتها عشرة مليارات متر مكعب من المياه، ما يجعله أحد أهم المخازن المائية في المنطقة.
إجراءات طارئة وتحذيرات للسكان
بالتوازي مع ارتفاع المنسوب، أطلقت الجهات المعنية في قطاع الطوارئ تحذيرات واسعة للسكان القاطنين على ضفاف النهر في محافظتي الرقة ودير الزور، مع توقعات بارتفاع إضافي في مستوى المياه قد يتجاوز المترين فوق المعدلات الطبيعية في بعض المقاطع.
وشملت الإجراءات الدعوة إلى إخلاء المنازل والمنشآت القريبة من مجرى النهر في المناطق المنخفضة، ووقف استخدام الزوارق والعبّارات النهرية، ومنع السباحة بشكل كامل، إضافة إلى تقليل الحركة على الجسور الترابية التي أصبحت عرضة للتأثر المباشر بتغيرات المنسوب.
كما جرى التشديد على نقل العائلات والمواشي والمعدات الزراعية إلى مناطق أكثر ارتفاعاً وأمناً، مع اعتماد أنظمة متابعة مستمرة لمستوى المياه على مدار ساعات اليوم، تحسباً لأي تغير مفاجئ في التدفق.
تداعيات على القطاع الزراعي والبنية المحلية
الارتفاع المفاجئ في منسوب الفرات انعكس بشكل مباشر على الأراضي الزراعية القريبة من مجرى النهر، حيث سجلت بعض المناطق أضراراً في المحاصيل، خصوصاً في الأراضي المنخفضة شرقي محافظة الرقة.
واستجابت الجهات الزراعية عبر سلسلة إجراءات شملت تسريع عمليات حصاد المحاصيل الجاهزة مثل القمح والشعير، وتنظيف قنوات الري والمصارف، وتعزيز السواتر الترابية لحماية الأراضي القريبة من الفيضان، إلى جانب وقف عمليات الري مؤقتاً لتقليل ضغط المياه على التربة.
كما تم اتخاذ تدابير احترازية تتعلق بنقل الأعلاف والماشية والمعدات الزراعية، ومراقبة المناسيب بشكل دوري في القرى القريبة من مجرى النهر، مع تجهيز نقاط بديلة لحماية الإنتاج الزراعي من أي غمر محتمل.
تأثيرات على شبكات النقل والجسور الترابية
التغير في منسوب المياه أدى أيضاً إلى اضطرابات في البنية التحتية المحلية، خصوصاً الجسور الترابية المؤقتة التي تربط بين ضفتي النهر، حيث تم تسجيل تشققات وانهيارات جزئية في بعض المواقع نتيجة ضغط المياه المتزايد.
ودفع ذلك الجهات الفنية إلى إيقاف الحركة على بعض هذه الجسور بشكل مؤقت، وتنفيذ أعمال صيانة عاجلة شملت إزالة أجزاء متضررة وتعزيز المقاطع الأكثر عرضة للتآكل، إضافة إلى استخدام تجهيزات هندسية لدعم البنية المتبقية وضمان استمرار الحد الأدنى من الحركة الآمنة.
خلفية مائية معقدة وتغيرات طويلة الأمد
يأتي هذا التحول في منسوب نهر الفرات بعد سنوات من التراجع الحاد في تدفق المياه، نتيجة عوامل مناخية وبنيوية تراكمت عبر عقود، من بينها ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الهطول المطري، ما أثر بشكل مباشر على حجم الجريان المائي في الحوض.
كما ساهمت التغيرات الإقليمية في مصادر المياه، إلى جانب الضغوط التي تعرضت لها البنية التحتية خلال سنوات النزاع، في تقليص القدرة التخزينية والتوزيعية للنهر، الأمر الذي أدى إلى تراجع كبير في إنتاجية الزراعة واعتماد السكان على مصادر بديلة وغير مستقرة للمياه.
ورغم وجود اتفاقيات سابقة لتنظيم تدفق المياه بين الدول المتشاطئة على النهر، فإن السنوات الأخيرة شهدت تقلبات حادة في كميات التدفق، ما جعل إدارة الموارد المائية أكثر تعقيداً، ورفع من حساسية أي تغير مناخي أو هيدرولوجي في المنطقة.