لماذا تحولت حرب ترامب على إيران إلى مأزق أمريكي؟

2026.05.26 - 21:39
Facebook Share
طباعة

أعادت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران رسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط، بعدما تحولت المواجهة العسكرية إلى اختبار معقد لقدرة واشنطن على فرض تسويات سياسية عبر القوة العسكرية والضغط الاقتصادي.

 

وبعد أشهر من التصعيد والضربات المتبادلة، تبدو إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام واقع أكثر تعقيداً، وسط تقديرات غربية بأن طهران نجحت في تحويل أوراق الضغط الاقتصادية والجيوسياسية إلى مكاسب تفاوضية غير متوقعة.

فن الصفقات: ورقة هرمز تضغط على واشنطن

تناولت صحف غربية بارزة، بينها فايننشال تايمز والغارديان ووول ستريت جورنال ونيويورك تايمز، أبعاد الاتفاق الجاري التفاوض حوله بين واشنطن وطهران، وسط مخاوف من أن تنتهي الحرب بتعزيز موقع إيران بدلاً من إضعافها.
رأى كبير معلقي الشؤون الخارجية في فايننشال تايمز غيديون راتشمان أن ترامب يواجه معضلة تتناقض مع المبادئ التي طرحها في كتابه فن الصفقة الصادر عام 1987.

 

وأشار راتشمان إلى أن إيران امتلكت "رافعة الضغط الحقيقية" عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي تسبب في ارتفاع أسعار النفط والوقود داخل الولايات المتحدة وانعكس سلباً على شعبية ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

 

قلق إسرائيلي: طهران خرجت أكثر صلابة

أشارت تحليلات غربية إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان يأمل أن تقود الحرب إلى إضعاف النظام الإيراني أو تغيير سلوكه بصورة جذرية، لكن التطورات الحالية أظهرت أن طهران ما زالت قادرة على الصمود والمناورة.

 

وترى تقارير غربية أن إيران خرجت من المواجهة أكثر تشدداً وثقة، مع احتمالات حصولها على متنفس اقتصادي وموارد مالية قد تُستخدم لإعادة بناء برنامجها النووي وشبكات نفوذها الإقليمية.

 

كواليس التفاوض: العقوبات مقابل التهدئة

 

نقلت الغارديان عن الأكاديمي راجان مينون أن كل طرف يروّج لرواية مختلفة بشأن المفاوضات، بينما تحاول إيران فرض صيغة تدريجية للاتفاق.

 

تطالب واشنطن بإعادة فتح مضيق هرمز فوراً، ونقل كامل مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، ومنعها من تخصيب اليورانيوم مستقبلاً.

 

في المقابل، تقترح طهران اتفاقاً على مرحلتين يبدأ بتمديد وقف إطلاق النار وفتح المضيق مقابل رفع تدريجي للعقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ثم الانتقال لاحقاً إلى الملف النووي.

 

وترى التحليلات الغربية أن هذا الترتيب يمنح إيران مكاسب اقتصادية وسياسية قبل تقديم تنازلات إستراتيجية حقيقية.

 

طوق نجاة: مخاوف من إنعاش الاقتصاد الإيراني

حذرت افتتاحية وول ستريت جورنال من تقديم تنازلات مالية واقتصادية لطهران قبل تفكيك برنامجها النووي بالكامل.

 

واعتبرت الصحيفة أن رفع الضغط العسكري والاقتصادي عن إيران قبل ضمانات نووية صارمة قد يمنح النظام الإيراني "طوق نجاة" يعزز موقعه داخلياً وإقليمياً.

 

كما رأت أن تردد ترامب في استخدام القوة العسكرية الكاملة لإعادة فتح مضيق هرمز منح إيران ورقة تفوق تفاوضية مؤثرة.

 

تحدثت تسريبات عن اتفاق إطاري يتضمن تخفيف العقوبات ورفعاً جزئياً للحصار البحري مقابل إعادة فتح المضيق والدخول في مفاوضات لاحقة بشأن الملف النووي.


السياسة الأميركية: بين الثقة والحذر

 

 

قدّم الكاتب جيرارد بيكر في وول ستريت جورنال قراءة نقدية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، معتبراً أن الأزمة الحالية تعكس نمطاً متكرراً من "التأرجح بين الثقة المفرطة والحذر الشديد".

 

ويرى الكاتب أن واشنطن بالغت في تقدير قدرتها العسكرية، بينما قللت من قدرة إيران على الصمود واستخدام أوراق الضغط الاقتصادية والبحرية.

 

وأضاف أن أقصى ما يمكن أن تحققه الولايات المتحدة حالياً يتمثل في إعادة فتح ممرات الشحن واستئناف المفاوضات النووية، مع بقاء النظام الإيراني قائماً وأكثر صلابة على المستوى الإستراتيجي.


سلاح الاقتصاد: النفط والملاحة في قلب المواجهة

 

أكدت نيويورك تايمز أن الضغوط العسكرية والتهديدات الأميركية لم تنجح في تغيير الموقف الإيراني تجاه البرنامج النووي.

 

وكشف تقرير للصحيفة أن عملية "مشروع الحرية" التي أطلقتها واشنطن لحماية الملاحة في مضيق هرمز تعثرت سريعاً بعد ضعف الاستجابة الأوروبية للمشاركة في قوة بحرية مشتركة.

 

وأوضحت التقارير أن إيران استثمرت قدرتها على تهديد أسواق الطاقة العالمية كأداة ضغط إستراتيجية، مستفيدة من عامل الوقت والارتدادات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة.

 

مع تصاعد الضغوط الاقتصادية الأميركية، اضطرت إدارة ترامب إلى تمديد وقف إطلاق النار والإبقاء على باب التفاوض مفتوحاً.


حرب رقمية: السخرية أداة دعائية


تناولت تقارير أخرى جانباً مختلفاً من المواجهة، يتمثل في الحرب الدعائية الرقمية.

 

وذكرت الكاتبة جيسيكا براندت أن حسابات إيرانية استخدمت مقاطع ساخرة وتقنيات الذكاء الاصطناعي للسخرية من ترامب والسياسة الأميركية عبر منصات التواصل الاجتماعي.

 

وحققت بعض المقاطع المنتشرة على منصة إكس نحو 900 مليون مشاهدة و22 مليون إعجاب خلال 50 يوماً، وفق التقرير.


مفاوضات هشة: التصعيد يهدد التفاهمات


أفاد موقع ديلي بيست بأن القوات الأميركية عادت لتنفيذ ضربات داخل إيران بعد تعثر المفاوضات وتصاعد التوترات في مضيق هرمز.

 

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ ضربات استهدفت منصات صواريخ وقوارب إيرانية قالت إنها كانت تحاول زرع ألغام بحرية، بينما ردت طهران بإطلاق صواريخ أرض-جو باتجاه الطائرات الأميركية.

 

جاء التصعيد بعد ساعات فقط من حديث ترامب عن "تقدم جيد" في المفاوضات، ما يعكس هشاشة التفاهمات القائمة وإمكانية انهيارها في أي وقت.

 

 

مشهد معقد: القوة لا تحسم الصراع


تعكس الأزمة الحالية تحولات أوسع في ميزان القوى الإقليمي والدولي، إذ تشير تحليلات غربية إلى أن إيران نجحت في تحويل تهديد الملاحة والطاقة إلى ورقة ضغط فرضت على واشنطن القبول بتسوية أقل من أهداف الحرب المعلنة.

 

كما تكشف التطورات حدود القوة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، حيث تستطيع واشنطن إلحاق أضرار كبيرة بخصومها، لكنها لا تضمن بالضرورة فرض ترتيبات سياسية مستقرة أو تحقيق انتصار إستراتيجي دائم.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 1