سوريا تتقدم في أولويات الأمن والاستراتيجية الأمريكية

2026.05.24 - 17:40
Facebook Share
طباعة

 تتجه الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة مقاربتها السياسية والعسكرية في سوريا، مع تصاعد الحديث داخل المؤسسات الأمريكية عن الدور المحوري الذي باتت تمثله دمشق في التوازنات الإقليمية ومستقبل المواجهة مع التنظيمات المتشددة في المنطقة.

وجاءت إفادة قائد القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم”، الأدميرال تشارلز برادفورد كوبر الثاني، أمام مجلس الشيوخ الأمريكي لتكشف ملامح التحول في الرؤية الأمريكية، بعدما وصف سوريا بأنها “مركز ثقل” في الاستراتيجية الإقليمية المتعلقة بمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” وإدارة الاستقرار في الشرق الأوسط.

 

سوريا في قلب الحسابات الأمريكية

ويرى باحثون ومراقبون أن توصيف سوريا بـ“مركز الثقل” يعكس انتقال واشنطن من مرحلة إدارة الصراع المباشر إلى مرحلة إعادة ترتيب النفوذ الإقليمي ومنع عودة الفوضى والانهيار الأمني.

وتعتبر الباحثة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط إيفا ج. كولوريوتيس أن الولايات المتحدة ما زالت تنظر إلى التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم “الدولة الإسلامية”، باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمنها ومصالحها الدولية، رغم تراجع سيطرة التنظيم ميدانيًا خلال السنوات الماضية.

وأضافت أن واشنطن تخشى من استغلال التنظيمات المتشددة لأي فراغ أمني أو اضطرابات إقليمية لإعادة بناء شبكاتها، خصوصًا مع استمرار التوترات المرتبطة بإيران وحلفائها في المنطقة.

 

مخاوف من عودة الفوضى

من جهته، اعتبر الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” سمير العبد الله أن القلق الأمريكي لا يقتصر على عودة تنظيم “الدولة” بصيغته السابقة، بل يمتد إلى احتمال تشكل “بيئة فوضى مستدامة” في سوريا والمنطقة.

وأوضح أن التنظيم لم ينتهِ بالكامل، بل دخل مرحلة إعادة تنظيم وانتظار لفرص جديدة تسمح له باستعادة النشاط، مستفيدًا من الأزمات الاقتصادية والهشاشة الأمنية في بعض المناطق السورية.

ويرى العبد الله أن البادية السورية والمناطق ذات السيطرة الأمنية الضعيفة ما تزال تمثل بيئة مناسبة لتحركات التنظيم وخلاياه.

 

تنسيق أمني متزايد مع دمشق

وتشير تقديرات وتحليلات إلى أن واشنطن بدأت بالفعل تعزيز قنوات التنسيق الأمني مع الحكومة السورية في ملفات مرتبطة بمكافحة التنظيمات المتشددة.

وتحدثت كولوريوتيس عن وجود متابعة أمريكية مباشرة للعمليات العسكرية التي تنفذها القوات السورية ضد خلايا تنظيم “الدولة” في البادية السورية، إلى جانب زيارات متكررة لمسؤولين عسكريين أمريكيين إلى دمشق.

كما أشارت إلى وجود خطوات تمهيدية لتوسيع التعاون الأمني والعسكري بين الجانبين خلال المرحلة المقبلة، ضمن رؤية أمريكية تقوم على احتواء المخاطر بأقل تكلفة عسكرية ممكنة.

 

رسائل سياسية داخلية وإقليمية

ويرى محللون أن الخطاب الأمريكي الجديد يحمل رسائل متعددة، سواء إلى الداخل الأمريكي أو إلى القوى الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوري.

فمن جهة، تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى التأكيد أن خطر التنظيمات المتشددة ما زال قائمًا، وأن الانخراط الأمريكي في سوريا لا يزال ضروريًا لمنع عودة التهديدات الأمنية.

ومن جهة أخرى، تعكس التصريحات الأمريكية رغبة واشنطن في تثبيت موقعها كطرف مؤثر في مستقبل سوريا، مع توجيه إشارات إلى الحلفاء الإقليميين بوجود انفتاح أمريكي متزايد تجاه دمشق.

 

إعادة تموضع دون توسع عسكري

ورغم الحديث عن تعزيز التعاون الأمني، تشير التقديرات إلى أن واشنطن لا تتجه حاليًا إلى زيادة انتشارها العسكري الواسع داخل سوريا.

وبحسب مراقبين، تقوم الاستراتيجية الأمريكية الجديدة على إعادة التموضع الأمني والاستخباراتي، مع الحفاظ على النفوذ والتأثير من خلال الشراكات المحلية والتنسيق الأمني، بدل الانخراط المباشر واسع النطاق.

كما يرى باحثون أن الولايات المتحدة تحاول منع عودة سوريا إلى دائرة النفوذ الإيراني والروسي بشكل كامل، مع الحفاظ على هامش تأثير سياسي وأمني طويل الأمد داخل البلاد.

 

دعم يتجاوز الجانب العسكري

ويعتقد مراقبون أن التحول الأمريكي تجاه سوريا لا يقتصر على الملف الأمني فقط، بل يمتد إلى تشجيع الانفتاح السياسي والاقتصادي على دمشق.

وترافق ذلك مع خطوات دبلوماسية متزايدة شملت زيارات واتصالات أوروبية وخليجية مع الحكومة السورية، إضافة إلى اتفاقيات اقتصادية واستثمارية جديدة.

ويرى محللون أن واشنطن باتت تنظر إلى استقرار سوريا كجزء من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وربط الأمن الإقليمي بمسار إعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الاقتصادية.

 

ملف المقاتلين الأجانب يعود للواجهة

وفي موازاة التحولات السياسية، عاد ملف المقاتلين الأجانب إلى الواجهة بعد تحذيرات أطلقها تنظيم “الدولة الإسلامية” عبر صحيفة “النبأ”، دعا فيها المقاتلين الأجانب إلى الانضمام مجددًا إلى صفوفه.

واعتبر التنظيم أن السلطات السورية الجديدة تتعامل مع هؤلاء المقاتلين باعتبارهم عبئًا أمنيًا وسياسيًا، محاولًا استثمار هذا الملف لإعادة استقطاب عناصر جديدة.

ويُنظر إلى ملف المقاتلين الأجانب باعتباره أحد أبرز التحديات الأمنية أمام الحكومة السورية، في ظل الضغوط الإقليمية والدولية المتعلقة بضبط الحدود ومنع عودة التنظيمات المتشددة للنشاط مجددًا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 6