اقتربت إيران خلال السنوات الأخيرة من "العتبة النووية" بصورة غير مسبوقة، بعدما راكمت كميات ضخمة من اليورانيوم عالي التخصيب وطورت بنيتها التقنية والنووية عبر مسار معقد تداخلت فيه قرارات ثلاث إدارات أميركية متعاقبة، وسط عقوبات وضغوط ومفاوضات متعثرة وضربات عسكرية لم تنجح في وقف البرنامج أو تقليصه بشكل حاسم.
تشير التقديرات الحالية إلى أن طهران باتت تمتلك القدرة التقنية التي تتيح لها، نظرياً، إنتاج سلاح نووي خلال فترة قصيرة إذا اتخذت القرار السياسي بذلك، وهو ما يثير قلقاً دولياً متزايداً ويضع الملف النووي الإيراني في صدارة الأزمات العالمية الأكثر حساسية.
تواجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدياً بالغ التعقيد يتمثل في كيفية احتواء البرنامج النووي الإيراني بعد سنوات من القرارات الأميركية المتعاقبة التي ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تسريع تطوره.
بدأت الأزمة بصورتها الحديثة مع الاتفاق النووي الموقع عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى، المعروف باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة".
فرض الاتفاق قيوداً صارمة على البرنامج النووي الإيراني، شملت خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 3.67% فقط، وتقليص المخزون الإيراني إلى نحو 660 رطلاً من اليورانيوم منخفض التخصيب لمدة 15 عاماً.
ألزم الاتفاق طهران أيضاً بتقليص عدد أجهزة الطرد المركزي، والحد من أنشطة منشآت رئيسية مثل نطنز وفوردو، مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية الدولية.
رأت إدارة ترامب خلال ولايته الأولى أن الاتفاق غير كافٍ لأنه لم يتناول برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو النفوذ الإقليمي لطهران، كما أنه يسمح بانتهاء بعض القيود بعد سنوات.
أعلن ترامب في مايو/أيار 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وإعادة فرض عقوبات اقتصادية شاملة على إيران ضمن سياسة "الضغط الأقصى".
شكّل هذا القرار نقطة تحول رئيسية في مسار الأزمة النووية، إذ بدأت إيران تدريجياً التخلي عن التزاماتها النووية.
رفعت طهران مستويات تخصيب اليورانيوم، ووسعت مخزونها من المواد الانشطارية، كما أدخلت أجهزة طرد مركزي متطورة قادرة على تسريع عمليات التخصيب.
استأنفت إيران أنشطة حساسة داخل منشآت نطنز وفوردو، وبدأت إنتاج كميات أكبر من اليورانيوم المخصب بنسب أعلى.
بحلول عام 2021، ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، كان مخزون إيران قد ارتفع إلى نحو ثلاثة أطنان مترية من المواد النووية المخصبة.
سعت إدارة بايدن إلى إحياء الاتفاق النووي عبر مفاوضات غير مباشرة استمرت أشهراً طويلة.
قدمت واشنطن عروضاً تتضمن رفع العقوبات مقابل عودة إيران للقيود النووية، إلا أن المفاوضات تعثرت تدريجياً.
انهارت المحادثات بصورة شبه كاملة عام 2022 بعدما رفضت إيران عرضاً أميركياً لإحياء الاتفاق مع فرض قيود إضافية على برنامجها النووي.
واصلت طهران خلال تلك الفترة توسيع برنامجها، ورفعت نسب التخصيب إلى مستويات غير مسبوقة.
بدأت إيران إنتاج يورانيوم مخصب بنسبة 20% ثم بنسبة 60%، وهي مستويات تقترب تقنياً من نسبة 90% المطلوبة لصناعة سلاح نووي.
بحسب تقديرات حديثة، تمتلك إيران حالياً نحو عشرة أطنان من المواد المخصبة بدرجات مختلفة.
تشمل هذه الكميات مخزوناً كبيراً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، إضافة إلى نحو 440 رطلاً من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%.
يرى خبراء نوويون أن هذه المواد يمكن رفع تخصيبها إلى مستوى الاستخدام العسكري خلال أسابيع قليلة فقط إذا اتخذ القرار السياسي بذلك.
تنتج إيران حالياً اليورانيوم عالي التخصيب بوتيرة متسارعة تصل إلى نحو طن كل ثلاثة أشهر، وفق تقديرات غربية.
تمتلك طهران أيضاً عدداً كبيراً من أجهزة الطرد المركزي المتطورة، التي تتيح تسريع عمليات التخصيب بصورة كبيرة مقارنة بالأجيال القديمة.
تشير تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن إيران راكمت خبرات تقنية وعلمية واسعة خلال السنوات الماضية، رغم العقوبات والضغوط وعمليات الاغتيال التي استهدفت علماءها النوويين.
شهد عام 2024 تصاعد القلق الأميركي والدولي، بعدما حذرت أجهزة الاستخبارات الأميركية من أن إيران تنفذ أنشطة قد تسمح لها بتطوير سلاح نووي إذا قررت ذلك.
ازدادت التوترات أكثر خلال عام 2025 مع تنفيذ ضربات أميركية وإسرائيلية استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو/حزيران ثم فبراير/شباط.
لم تؤدِّ الضربات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية إلى وقف البرنامج النووي الإيراني أو تقليص مخزونه بصورة حاسمة.
أعلن ترامب مؤخراً تأجيل أي عمل عسكري إضافي ضد إيران، متحدثاً عن "فرصة كبيرة" للتوصل إلى اتفاق دبلوماسي جديد، رغم تشكيك خبراء في فرص نجاح هذا المسار.
يسعى ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض إلى فرض اتفاق أشد صرامة من اتفاق 2015، يتضمن وقف تخصيب اليورانيوم بشكل دائم وتفكيك المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية.
ترفض طهران هذه الشروط، وتؤكد تمسكها بحقها في التخصيب السلمي ورفض أي اتفاق يلغي بنيتها النووية بالكامل.
أعاد الملف النووي الإيراني فتح جدل واسع داخل الولايات المتحدة بشأن مسؤولية الإدارات الأميركية المتعاقبة عن الوصول إلى هذه المرحلة.
يتهم منتقدو ترامب قرار الانسحاب من الاتفاق النووي بإطلاق سباق التصعيد النووي الإيراني.
يرى مؤيدو ترامب أن الاتفاق كان ناقصاً منذ البداية لأنه لم يمنع إيران من الاحتفاظ بالبنية التقنية التي تسمح لها باستئناف برنامجها النووي لاحقاً.
تتعرض إدارة بايدن أيضاً لانتقادات بسبب فشل جهود إحياء الاتفاق أو احتواء التوسع النووي الإيراني خلال سنوات التفاوض.
يرى خبراء أن الأخطاء المتراكمة من الجانبين الأميركي والإيراني ساهمت في وصول الأزمة إلى مستوى غير مسبوق.
تعتبر إيران اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى امتلاك القدرة التقنية على إنتاج سلاح نووي، حتى وإن لم تعلن رسمياً اتخاذ هذا القرار.
تحول الملف النووي الإيراني إلى واحد من أخطر الملفات في السياسة الدولية، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي أي انهيار جديد للمفاوضات إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تمتد آثارها إلى منطقة الشرق الأوسط بأكملها.