تعيش كوبا واحدة من أكثر مراحل التوتر حساسية مع الولايات المتحدة، في ظل تصاعد التهديدات الأمريكية وتشديد الحصار النفطي والاقتصادي، مقابل تمسك هافانا بخطاب المواجهة والاستعداد لأي سيناريو عسكري محتمل تحت شعار "الوطن أو الموت".
خلفية الأزمة:

بدأت جذور الصراع بين واشنطن وهافانا عقب انتصار الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو عام 1959، ثم إعلان النظام الاشتراكي رسمياً عام 1961، لتدخل العلاقات بين البلدين مرحلة طويلة من القطيعة والعقوبات الاقتصادية والسياسية.
شهدت العقود الماضية أزمات حادة، أبرزها أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، ومحاولات أمريكية متكررة لعزل النظام الكوبي أو إسقاطه عبر العقوبات والحصار والدعم السياسي للمعارضة.
ورغم فترات محدودة من الانفراج، عادت العلاقات إلى التوتر خلال إدارة دونالد ترامب، التي أعادت فرض قيود اقتصادية ومالية واسعة على الجزيرة.
تصعيد أمريكي متواصل:
قال ماركو روبيو، الخميس، إن فرص التوصل إلى تفاهم مع كوبا عبر المفاوضات "ليست كبيرة حالياً"، مشيراً إلى أن إدارة ترامب ستواصل سياسة الضغط على الحكومة الشيوعية، مع بقاء خيارات أخرى مطروحة أمام البيت الأبيض.
جاءت تصريحات روبيو بعد أيام من تلويح ترامب بما وصفه بـ"تحرير كوبا"، واتهامه الجزيرة بأنها "دولة مارقة"، بالتزامن مع توجيه واشنطن لائحة اتهام جنائية ضد راؤول كاسترو، على خلفية إسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996.
أثار هذا التحرك غضباً واسعاً داخل هافانا، خصوصاً مع تحريك حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس نيميتز" إلى منطقة الكاريبي.
رافقت الخطوات الأمريكية انتقادات حادة من الصين وروسيا، بعدما اعتبرت موسكو وبكين أن التصعيد يهدد استقرار المنطقة.
في المقابل، حذّر ميغيل دياز كانيل من أن أي تدخل عسكري ضد بلاده سيقود إلى "مذبحة" ستكون لها تداعيات واسعة على الأمن الإقليمي.
أوراق الردع الكوبية:
عقيدة "حرب الشعب":

تعتمد هافانا على إستراتيجية عسكرية تقوم على تحويل السكان المدنيين إلى جزء من منظومة الدفاع الوطني وحرب العصابات.
تبنت كوبا هذه العقيدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بهدف مواجهة أي غزو محتمل عبر تعبئة السكان واستنزاف القوات المهاجمة.
نشرت وسائل إعلام كوبية صوراً لتدريبات عسكرية يخضع لها المدنيون، فيما أصدرت هيئة الدفاع المدني دليلاً عائلياً يتضمن تعليمات للتعامل مع "هجمات محتملة".
ويرى خبراء عسكريون أن الجيش الكوبي، رغم محدودية التسليح الحديث، لا يزال قادراً على خوض حرب استنزاف طويلة.
الموقع الجغرافي:
تقع كوبا على بعد نحو 144 كيلومتراً فقط من السواحل الأمريكية، ما يمنحها موقعاً شديد الحساسية في أي مواجهة محتملة.
ويشير محللون إلى أن قرب الجزيرة من مدن أمريكية مثل ميامي يرفع مستوى المخاطر مقارنة بحروب خاضتها واشنطن في مناطق بعيدة مثل العراق وأفغانستان.
وأوضح الباحث الأرجنتيني كارلوس مالامود أن قدرة هافانا على تهديد مناطق مدنية أمريكية تجعل كلفة أي صدام مرتفعة سياسياً وأمنياً.
ورقة الهجرة:
تُعد الهجرة الجماعية واحدة من أكثر أدوات الضغط حساسية بالنسبة للولايات المتحدة.
وتخشى واشنطن من أن يؤدي أي هجوم عسكري إلى تدفق آلاف المهاجرين الكوبيين نحو السواحل الأمريكية، ما قد يخلق أزمة سياسية وأمنية داخلية.
وترى تقديرات أكاديمية أن هذا السيناريو سيكون شديد التأثير على إدارة ترامب، التي بنت جزءاً أساسياً من خطابها السياسي على مكافحة الهجرة غير النظامية.
دعم موسكو وبكين:
تعزز كوبا علاقاتها مع روسيا والصين في مواجهة الضغوط الأمريكية.
كشفت تقارير استخباراتية عن حصول هافانا على أكثر من 300 طائرة مسيّرة عسكرية، إضافة إلى سعيها للحصول على معدات إضافية من موسكو.
كما تحدثت تقارير أمريكية عن وجود مرافق تجسس روسية وصينية داخل الجزيرة لرصد الاتصالات والإشارات الإلكترونية الأمريكية.
أعلنت بكين دعمها الكامل لهافانا بعد توجيه الاتهامات إلى راؤول كاسترو، فيما انتقد الكرملين ما وصفه باستخدام أساليب "تقترب من العنف" ضد رؤساء دول سابقين.
أزمة اقتصادية خانقة:
تعيش كوبا أزمة معيشية غير مسبوقة نتيجة الحصار النفطي والعقوبات الأمريكية.
تفاقمت الأزمة بعد تراجع إمدادات النفط القادمة من فنزويلا، التي كانت توفر نحو ثلث احتياجات الجزيرة، إضافة إلى توقف شحنات من المكسيك عقب تهديدات أمريكية بفرض رسوم على الدول المصدّرة للنفط إلى كوبا.
أعلن فيسنتي دي لا أو ليفي أن مخزونات النفط الخام والبنزين والديزل أوشكت على النفاد بالكامل، ما تسبب في انقطاعات كهربائية وصلت إلى 22 ساعة يومياً في بعض مناطق هافانا.
ويرى مراقبون أن الجزيرة تواجه ظروفاً تشبه سنوات الحصار الطويلة التي فُرضت على العراق قبل الغزو الأمريكي عام 2003، وسط مخاوف من أن يقود التصعيد الحالي إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود الكاريبي.