مثّلت العقوبات الأميركية الأخيرة التي طالت ضباطًا عاملين في أجهزة أمنية لبنانية رسمية، من الجيش والأمن العام، تطورًا لافتًا في مسار العلاقة بين واشنطن والدولة اللبنانية. فهذه هي المرة الأولى التي تمتد فيها العقوبات من دائرة استهداف شخصيات حزبية ومالية مرتبطة بـحزب الله إلى مسؤولين داخل مؤسسات أمنية رسمية تُعد تقليديًا من الشركاء الأساسيين للولايات المتحدة في لبنان.
ولا يبدو هذا الإجراء، بحسب معطياته وتوقيته، مجرد خطوة قانونية أو مالية، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية أوسع، تعكس تحوّلًا في مقاربة واشنطن للملف اللبناني وتعاطيها مع تداخل الدولة مع نفوذ حزب الله.
وبحسب وزارة الخزانة الأميركية، فإن العقوبات شملت ضباطًا في مواقع أمنية اتُّهموا بتقديم تسهيلات أو معلومات أو أدوار غير مباشرة سمحت بترسيخ نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة، ومن بينهم مسؤول في الأمن العام اللبناني وضابط رفيع في جهاز الاستخبارات العسكرية، إضافة إلى شخصيات سياسية متحالفة مع الحزب.
أولًا: الطابع الاستثنائي للقرار
على مدى سنوات، التزمت الولايات المتحدة بفصل نسبي بين الدولة اللبنانية وحزب الله، رغم إدراكها لحجم التداخل بينهما. وحتى بعد تصاعد العقوبات منذ عام 2019، تجنبت واشنطن استهداف الجيش أو الأجهزة الأمنية بشكل مباشر، حرصًا على:
الحفاظ على مؤسسات الدولة اللبنانية، ومنع انهيار المؤسسة العسكرية، وضمان استمرار الجيش كشريك أمني للغرب، وتفادي دفع لبنان بالكامل نحو المحور الإيراني.
لكن العقوبات الحالية تعكس، وفق هذا السياق، تبدلًا في التقدير الأميركي، إذ باتت واشنطن ترى أن أجزاء من المؤسسات الرسمية لم تعد محايدة بالكامل، أو أنها متأثرة أو عاجزة عن الفصل بين الدولة ونفوذ حزب الله.
هذا التحول يُنظر إليه بوصفه كسرًا عمليًا لما كان يُعتبر “خطًا أحمر” يتعلق بعدم المساس بالمؤسسة العسكرية اللبنانية.
ثانيًا: الدلالات السياسية
1- الانتقال من الاحتواء إلى الضغط المباشر
السياسة الأميركية السابقة اعتمدت على احتواء حزب الله عبر العقوبات الاقتصادية ودعم الجيش وعزل الحزب دوليًا. أما اليوم، فتتجه المقاربة نحو تحميل الدولة اللبنانية نفسها مسؤولية التعامل مع نفوذ الحزب، وربط الدعم الدولي بخطوات ملموسة في ملف حصر السلاح بيد الدولة.
2- رسالة موجهة للمؤسسة العسكرية
العقوبات تحمل أيضًا إشارة غير مباشرة إلى الجيش اللبناني، مفادها أن استمرار الدعم الأميركي يرتبط بمدى التزام المؤسسة العسكرية بدورها في مسار حصر السلاح. ويأتي ذلك في وقت يعتمد فيه الجيش على الدعم الأميركي في التدريب والتمويل والعتاد والمساعدات التقنية.
3- إعادة تعريف مفهوم السيادة
باتت واشنطن تربط مفهوم السيادة اللبنانية بمدى احتكار الدولة للسلاح. ووفق هذه المقاربة، لا تُعد المؤسسات الدستورية وحدها معيارًا كافيًا للسيادة، بل يرتبط الأمر أساسًا ببنية القوة العسكرية داخل الدولة.
ثالثًا: توقيت العقوبات
تأتي هذه الخطوة في سياق إقليمي متوتر، يتسم بتصعيد عسكري في أكثر من ساحة، من لبنان إلى سوريا والبحر الأحمر، مرورًا بالتوتر مع إيران. وتعتبر واشنطن أن استمرار الوضع الحالي في لبنان يترك الجبهة الشمالية لإسرائيل عرضة للتصعيد.
كما يتزامن القرار مع ضغوط إسرائيلية متزايدة تدعو إلى إعادة ضبط الوضع الأمني في لبنان، إضافة إلى تحركات دبلوماسية تمهيدًا لمسارات تفاوض غير مباشرة تتعلق بالترتيبات الأمنية.
رابعًا: التداعيات المحتملة
من أبرز النتائج المحتملة لهذه العقوبات:
تعميق الانقسام الداخلي داخل المؤسسات اللبنانية بين اتجاهات متباينة بشأن التعامل مع الضغوط الأميركية.
تراجع هامش القرار الوطني نتيجة ازدياد ارتباط التمويل والدعم الخارجي بالشروط السياسية.
احتمال توسع العقوبات تدريجيًا لتشمل أسماء إضافية ومجالات أوسع.
تأثير على صورة الجيش اللبناني كمؤسسة جامعة تحظى بقبول داخلي واسع.
خامسًا: إعادة تشكيل المشهد الأمني؟
تشير بعض القراءات إلى أن واشنطن لا تكتفي بإدارة الأزمة اللبنانية، بل تعمل على إعادة تشكيل التوازن الأمني عبر أدوات مالية وسياسية، تشمل تعزيز دور الجيش، وتقييد نفوذ القوى المسلحة غير الرسمية، وربط المساعدات بمسار إصلاحي أمني واضح.
لكن هذا المسار يواجه تحديات بنيوية مرتبطة بتركيبة النظام اللبناني، والانقسام الطائفي، والأزمة الاقتصادية، ووجود قوة مسلحة منظمة مثل حزب الله.
خاتمة
تعكس العقوبات الأميركية الأخيرة تحولًا نوعيًا في طريقة تعاطي واشنطن مع لبنان، من سياسة تفصل بين الدولة وحزب الله، إلى مقاربة تضغط على الدولة نفسها لتحمّل مسؤولية مواجهة هذا النفوذ.
ويبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة لبنان على التعامل مع هذا النوع من الضغوط دون انعكاسات سياسية وأمنية أوسع قد تمس استقراره الداخلي.