في صباح الثالث من أيار/مايو، عبرت مقاتلات أردنية من طراز F-16 الأجواء السورية ونفذت سلسلة غارات استهدفت ما لا يقل عن ستة مواقع داخل محافظة السويداء، وفق ما أفاد به الجيش الأردني لاحقًا في بيان رسمي. وأوضح البيان أن العملية، التي وصفها بأنها “عملية ردع”، استهدفت منشآت ومرافق يُشتبه باستخدامها من قبل شبكات تهريب تنشط في نقل مواد غير مشروعة باتجاه الأراضي الأردنية.
وتعد هذه العملية خامس تدخل جوي أردني في محافظة السويداء منذ نهاية عام 2024، وتأتي ضمن سلسلة من العمليات التي تصاعدت بعد التحولات الميدانية والسياسية التي شهدها الجنوب السوري. كما أنها تمثل ثالث موجة ضربات منذ تموز/يوليو 2025، حينما شهدت المحافظة تغيرًا كبيرًا في موازين السيطرة المحلية، مع بروز تشكيلات مسلحة درزية معروفة باسم “الحرس الوطني”، في وقت تقلصت فيه قدرة الحكومة الانتقالية على فرض سيطرتها الكاملة على المنطقة.
وكان الجنوب السوري قد شهد في تموز 2025 أحداثًا دامية، أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 1700 شخص، عقب مواجهات بين فصائل درزية ومجموعات من العشائر البدوية، قبل أن تتوسع الأحداث وتستدعي تدخلًا حكوميًا ثم تدخلات خارجية، بينها ضربات جوية إسرائيلية. وقد خلص تحقيق تابع للأمم المتحدة إلى أن جميع الأطراف الرئيسية في الاشتباكات، بما في ذلك قوات حكومية وميليشيات محلية، ضالعة في انتهاكات خطيرة، وصلت في بعض الحالات إلى مستوى جرائم حرب.
في هذا السياق، تشير معطيات ميدانية إلى أن السويداء باتت جزءًا من شبكة معقدة من التفاعلات الأمنية والسياسية، تتداخل فيها العوامل المحلية مع مصالح إقليمية أوسع. ويُشار إلى أن الطائفة الدرزية في سوريا تحظى بتركيبة اجتماعية وسياسية خاصة، تتقاطع مع وجود دروز داخل إسرائيل، حيث يشكلون أقلية فاعلة داخل الجيش الإسرائيلي، وهو ما ينعكس أحيانًا على المواقف السياسية تجاه الجنوب السوري.
وبحسب تقارير ميدانية، نفذت إسرائيل خلال الأيام الأولى بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 ما يصل إلى 15 عملية إنزال جوي لمساعدات عسكرية لصالح مجموعات درزية معارضة لدمشق. كما تشير بيانات عسكرية إلى أن إسرائيل سيطرت منذ ذلك الوقت على نحو 207 كيلومترات مربعة داخل الأراضي السورية، ونفذت ما يقارب 1100 غارة جوية ومدفعية، إلى جانب أكثر من 1000 توغل بري، ما يعكس مستوى التصعيد العسكري في المنطقة.
في ظل هذا الواقع، أصبحت السويداء تُطرح في بعض التحليلات كمنطقة ذات أهمية استراتيجية، سواء من حيث موقعها الجغرافي أو تركيبتها السكانية، مع تزايد المخاوف من تحولها إلى نقطة توتر طويلة الأمد بين أطراف محلية وإقليمية.
ومع تصاعد الأحداث منذ تموز 2025، توحدت نحو 40 فصيلاً مسلحًا تحت اسم “الحرس الوطني”، الذي أعلن ولاءه للزعيم الروحي حكمت الهجري، أحد أبرز الشخصيات الدينية في المنطقة. وتشير بيانات غير رسمية إلى أن هذه التشكيلات أصبحت تتحكم بدرجة كبيرة في الوضع الأمني داخل المحافظة، في وقت ازدادت فيه اتهامات بارتفاع أنشطة التهريب، خصوصًا تهريب الكبتاغون باتجاه الأردن.
وتظهر أرقام جمعتها مصادر بحثية أن عمليات تهريب المخدرات من السويداء ارتفعت بنسبة تتجاوز 325% خلال الفترة الممتدة بين منتصف 2025 وبداية 2026. كما اعترضت القوات الأردنية 21 محاولة تهريب بين يناير ويوليو 2025، مقابل 128 عملية بين يوليو 2025 وأبريل 2026.
وتشير بيانات أمنية إلى أن طرق التهريب تطورت من استخدام الطائرات المسيّرة إلى وسائل أكثر تعقيدًا، مثل البالونات المعبأة بالهيليوم والمجهزة بأنظمة GPS، والتي تُستخدم لإسقاط الشحنات داخل الأراضي الأردنية. ومنذ تموز 2025، أعلنت السلطات الأردنية ضبط نحو 46 مليون حبة كبتاغون، غالبيتها عبر هذه الوسائل.
وفي المقابل، تشير تقارير تاريخية إلى أن السويداء لعبت خلال سنوات الحرب السورية دورًا في شبكات التهريب، مستفيدة من طبيعتها الجغرافية وشبكاتها المحلية، إضافة إلى اتهامات بوجود ارتباطات سابقة بين بعض شبكات التهريب وأجهزة أمنية خلال حكم النظام السابق، بما في ذلك الفرقة الرابعة وشخصيات عسكرية مرتبطة بإيران.
كما تشير تقارير أخرى إلى وجود منشآت إنتاج للكبتاغون داخل مناطق متفرقة من سوريا خلال سنوات الحرب، بعضها في الجنوب، حيث كانت تُدار شبكات معقدة تجمع بين فاعلين محليين ومجموعات مسلحة وعشائر وشبكات عابرة للحدود.
وبعد عام 2025، ومع تغيّر موازين القوى، برزت تقارير تتحدث عن عودة بعض شبكات التهريب للعمل، وسط اتهامات بوجود تساهل محلي في بعض المناطق، مقابل عجز إداري وأمني في مناطق أخرى. وفي المقابل، تشير بيانات إلى استمرار عمليات الضبط في سوريا، بما في ذلك شحنات كبيرة قادمة من لبنان، حيث صودرت ملايين الحبوب خلال عام 2025 وبداية 2026.
كما شهدت الأشهر الأخيرة تعاونًا أمنيًا متزايدًا بين دمشق وعدة دول مجاورة، بينها الأردن وتركيا والعراق ولبنان، في إطار مكافحة تهريب المخدرات، إضافة إلى برامج تدريب ودعم قدمتها دول إقليمية لقوات الأمن السورية.
ورغم ذلك، تبقى السويداء خارج السيطرة الكاملة للحكومة المركزية، ما ينعكس على فعالية الإجراءات الأمنية والخدمية، ويجعل المنطقة نقطة ضعف في ملف مكافحة التهريب.
وفي ظل هذا التعقيد، تشير معطيات ميدانية إلى وجود توترات داخلية بين الفصائل المحلية، مع تسجيل عشرات الاشتباكات بين مجموعات متناحرة داخل الحرس الوطني، ما يزيد من هشاشة الوضع الأمني.