أثار التحول السياسي الذي شهدته سوريا في كانون الأول 2024، مع انتهاء عقود من حكم حزب البعث وسقوط نظام الأسد، موجة واسعة من التوقعات بإمكانية انتقال البلاد نحو مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة الإعمار. إلا أن الواقع الإنساني داخل سوريا ما يزال يعكس صورة مختلفة تماماً، إذ تستمر معاناة ملايين النازحين داخلياً رغم التغير الجذري في بنية السلطة السياسية.
ورغم أن تغيير القيادة المركزية كان يُنظر إليه بوصفه مدخلاً أساسياً لإنهاء الأزمة السورية، فإن المؤشرات الميدانية تظهر أن هذا التحول لم ينعكس حتى الآن على حياة السكان الأكثر تضرراً من الحرب، ولا سيما النازحين الذين ما يزالون يواجهون ظروفاً معيشية شديدة القسوة.
وتبرز هنا تساؤلات أساسية حول أسباب استمرار الأزمة الإنسانية، خصوصاً في ما يتعلق بانعدام الأمن الغذائي، رغم التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد. فالمشهد السوري لا يزال مثقلاً بإرث سنوات الحرب الطويلة، من دمار واسع في البنية التحتية، وانهيار اقتصادي، وتراجع الخدمات الأساسية، إلى جانب الأزمات البيئية والمناخية التي زادت الوضع تعقيداً.
وخلال الأشهر التي أعقبت التغيير السياسي، شهدت سوريا تحولات ديموغرافية لافتة، تمثلت في عودة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم الأصلية. وتشير تقديرات أممية إلى عودة أكثر من 1.3 مليون لاجئ من دول الجوار حتى نهاية كانون الثاني الماضي، إضافة إلى محاولات عودة قام بها نحو 1.7 مليون نازح داخلي منذ مطلع 2025 وحتى منتصف 2026، من أصل أكثر من خمسة ملايين نازح داخل البلاد.
لكن هذه العودة لم تعنِ بالضرورة انتهاء المعاناة، إذ اصطدم كثير من العائدين بواقع قاسٍ يتمثل في الدمار الواسع وغياب المساكن والخدمات الأساسية. كما تعاني المخيمات التي ما تزال تؤوي مئات الآلاف من النازحين من تراجع كبير في الدعم الإنساني، في ظل ما تصفه منظمات الإغاثة بـ"إرهاق المانحين" بعد سنوات طويلة من الأزمة.
وأدى الدمار الذي طال شبكات المياه والكهرباء والمدارس والمرافق الصحية إلى تعقيد فرص الاستقرار، فيما يواجه كثير من النازحين مشكلات قانونية مرتبطة بفقدان الوثائق الرسمية، الأمر الذي يعيق قدرتهم على استعادة ممتلكاتهم أو الوصول إلى الخدمات العامة.
وفي موازاة ذلك، يستمر انعدام الأمن الغذائي كأحد أخطر التحديات التي تواجه السوريين، خصوصاً داخل المخيمات ومناطق النزوح. وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من نصف سكان البلاد يعانون صعوبات حادة في تأمين الغذاء، فيما تسجل مخيمات النازحين أدنى معدلات الأمن الغذائي على مستوى البلاد.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل متراكمة، أبرزها الانهيار الاقتصادي الحاد وفقدان مصادر الدخل. فقد خسر كثير من النازحين أراضيهم وأعمالهم وممتلكاتهم خلال الحرب، وباتوا يعتمدون على أعمال يومية غير مستقرة ذات أجور متدنية، في وقت تشهد فيه البلاد معدلات تضخم مرتفعة وتراجعاً حاداً في قيمة العملة.
كما تعرض القطاع الزراعي، الذي كان يشكل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي في سوريا، لضرر بالغ نتيجة الحرب. فانتشار الألغام والذخائر غير المنفجرة في المناطق الزراعية، إلى جانب تدمير شبكات الري وتلوث الأراضي والمياه، جعل مساحات واسعة غير صالحة للزراعة، خاصة في المحافظات الشرقية والشمالية.
وتفاقمت الأزمة أيضاً بفعل التغيرات المناخية الحادة التي ضربت المنطقة خلال السنوات الأخيرة، حيث شهدت سوريا موجات جفاف قاسية وانخفاضاً كبيراً في معدلات الأمطار، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي بشكل غير مسبوق. كما تسببت الفيضانات والعواصف الشتوية الأخيرة في تدمير مساحات زراعية واسعة وإلحاق أضرار كبيرة بمخيمات النازحين.
وفي ظل هذه التحديات، تبدو الحكومة السورية الجديدة أمام مهمة شديدة التعقيد، في وقت تعاني فيه مؤسسات الدولة من ضعف الإمكانات ونقص التمويل والخبرات التقنية اللازمة لإعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية.
ورغم استمرار جهود المنظمات الإنسانية لمنع تفاقم الأزمة، فإن العقبات الأمنية واللوجستية، إضافة إلى محدودية التمويل الدولي، ما تزال تحول دون تحقيق تحسن ملموس في أوضاع ملايين النازحين داخل سوريا.