تتفاقم أزمة السجون في لبنان وسط تحذيرات قانونية وحقوقية من انهيار الأوضاع الإنسانية داخل مراكز التوقيف، مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات الاكتظاظ وتزايد أعداد الموقوفين الذين لم يخضعوا لمحاكمات بعد، في ظل تعثر القضاء والأزمات الاقتصادية والأمنية التي تعصف بالبلاد.
وصف رئيس لجنة السجون في نقابة المحامين في بيروت المحامي جوزف عيد الواقع داخل السجون اللبنانية بالكارثي، معتبراً أن المؤسسات العقابية باتت عاجزة عن استيعاب الأعداد المتزايدة من السجناء والموقوفين.
كشف عيد، خلال حديثه إلى صحيفة الأنباء، أن نسبة الاكتظاظ داخل السجون وصلت إلى نحو 340%، بينما تبلغ نسبة الموقوفين من دون محاكمات قرابة 83%، في مؤشر يعكس حجم التعثر القضائي والإداري داخل الدولة اللبنانية.
ربط هذا الواقع بجملة من العوامل المتراكمة، من بينها الحروب والأوضاع الأمنية والانهيار الاقتصادي وتداعيات جائحة كورونا، إضافة إلى تراكم الملفات القضائية والنقص الحاد في عدد القضاة وغياب المكننة والتجهيزات اللوجستية، فضلاً عن عدم نقل الموقوفين إلى المحاكم بصورة منتظمة.
يضم لبنان 25 سجناً تحتوي على نحو 6300 سجين، إلى جانب 229 نظارة تضم قرابة 2400 موقوف، رغم أن هذه النظارات أُنشئت أساساً للتوقيف المؤقت وليس للاحتجاز طويل الأمد.
تحولت النظارات فعلياً إلى سجون مكتظة، وسط تحذيرات من تداعيات صحية ونفسية خطيرة ناجمة عن سوء الظروف المعيشية داخل أماكن الاحتجاز.
بلغ العدد الإجمالي للسجناء والموقوفين في لبنان نحو 8700 شخص، مع استمرار ارتفاع الأعداد بوتيرة متسارعة، ما انعكس بصورة مباشرة على مستوى الغذاء والرعاية الصحية والخدمات الأساسية داخل السجون.
ساهمت هذه الظروف، بحسب عيد، في تصاعد الاحتجاجات وحالات التمرد داخل بعض السجون ومراكز التوقيف.
تبرز أزمة سجن رومية بوصفها المثال الأوضح على حجم الانهيار، إذ يضم السجن نحو 3600 سجين، رغم أن قدرته الاستيعابية لا تتجاوز 1200 فقط، ما يعني أن الأعداد الحالية تفوق طاقته بثلاث مرات تقريباً.
تناول عيد أوضاع الأحداث المخالفين للقانون، موضحاً أن عددهم يبلغ 147 حدثاً بعد نقلهم من سجن رومية إلى مركز الوروار المخصص لإعادة التأهيل والرعاية.
يوجد أيضاً نحو 300 سجينة داخل السجون اللبنانية، في وقت ترتفع فيه أعداد الموقوفين في قضايا المخدرات إلى حوالي 2650 شخصاً، إضافة إلى نحو 350 موقوفاً إسلامياً.
بيّن عيد أن 2300 سجين فقط من أصل 8700 يواجهون دعوى واحدة، بينما البقية من مكرري الجرائم، معتبراً أن الاكتظاظ الحاصل يعيق بشكل شبه كامل أي برامج متعلقة بالإصلاح أو إعادة التأهيل.
تصل نسبة الموقوفين الأجانب إلى نحو 48% من إجمالي السجناء والموقوفين، ما يزيد من تعقيد الواقع داخل المؤسسات العقابية اللبنانية.
اعتبر عيد أن الظروف المأساوية داخل السجون دفعت نحو إعادة طرح قانون العفو العام على الساحة السياسية، لكنه رأى أن الصيغة الحالية أقرب إلى عفو جزئي ومشروط، تأثرت باعتبارات سياسية وطائفية ومناطقية، إلى جانب حسابات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية وشهداء الجيش اللبناني.
شدد على أن معالجة الأزمة لا تكون عبر قوانين استثنائية أو حلول ظرفية، بل من خلال تسريع المحاكمات وتعزيز استقلالية القضاء وتفعيل مؤسسات الدولة.
ختم عيد بالتأكيد أن استمرار التأخير القضائي والإفلات من العقاب قد يؤديان إلى ارتفاع معدلات الجريمة وتكرارها، في وقت تعاني فيه السجون اللبنانية من أوضاع توصف بأنها من الأسوأ منذ سنوات.