دخل لبنان مرحلة التحضيرات النهائية للمفاوضات الأمنية المباشرة المقررة في 29 أيار الجاري برعاية أميركية، وسط تصاعد التوتر الميداني على الجبهة الجنوبية وتزايد السجالات السياسية الداخلية بشأن طبيعة هذا المسار وحدوده.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه المواجهات العسكرية جنوباً، بالتزامن مع تحذيرات متكررة من حزب الله بشأن مخاطر الانخراط في مسارات تفاوضية قد تؤدي، بحسب الحزب، إلى فرض وقائع أمنية وسياسية جديدة تخدم المصالح الإسرائيلية والأميركية.
خلافات حول تشكيل الوفد اللبناني
وبحسب معطيات سياسية، تعمل السلطات اللبنانية على وضع اللمسات الأخيرة لتشكيل الوفد العسكري الذي سيشارك في الاجتماعات المقررة داخل البنتاغون، غير أن عملية التشكيل تواجه تعقيدات متعددة تتعلق بأسماء المشاركين وصلاحيات الوفد وطبيعة المهام الموكلة إليه.
وتشير المعلومات إلى أن رئيس الجمهورية جوزيف عون يتابع شخصياً ملف اختيار أعضاء الوفد، وسط اعتراضات وتحفظات داخل المؤسسة العسكرية، بعدما أبدى عدد من الضباط رفضهم المشاركة في هذا المسار، انطلاقاً من مخاوف مرتبطة بتداعياته السياسية والأمنية، إضافة إلى اعتراضهم على طبيعة الضغوط الخارجية المرافقة له.
كما تفيد المعطيات بأن أسماء المشاركين لم تُحسم بشكل نهائي حتى الآن، في ظل استمرار النقاشات داخل الدوائر السياسية والعسكرية.
حزب الله وحركة أمل خارج المسار
في المقابل، تؤكد أوساط مرتبطة بحزب الله وحركة أمل أن الطرفين غير معنيين بالمفاوضات الجارية، وأن موقفهما المعلن سابقاً لا يزال قائماً، مع عدم وجود أي تنسيق أو تواصل معهما بشأن تفاصيل هذا المسار.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التحذيرات السياسية من أن تؤدي المفاوضات إلى نقل لبنان من موقع المطالب بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المحتلة، إلى موقع المنخرط في ترتيبات أمنية جديدة تُدار بإشراف أميركي مباشر.
ضغوط أميركية لإنشاء لجنة أمنية
وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخلاف في الضغوط الأميركية الهادفة إلى تشكيل لجنة أمنية تتولى رسم خريطة الطريق للمرحلة المقبلة، بما يشمل ملفات الحدود والترتيبات الأمنية، إضافة إلى قضايا مرتبطة بسلاح حزب الله ودور الجيش اللبناني في الجنوب.
وبحسب مصادر سياسية، فإن هذا الطرح أثار مخاوف داخلية من توسيع نطاق الدور الأمني المطلوب من الجيش اللبناني، وربطه بمهمات تتجاوز الإطار التقليدي المنصوص عليه في القرار 1701.
رفض عسكري لفكرة "اللواء الخاص"
وفي هذا السياق، كشفت المعطيات عن رفض قيادة الجيش اللبناني مقترحاً أميركياً يقضي بإنشاء لواء عسكري خاص في الجنوب تكون مهمته تنفيذ الترتيبات الأمنية ومواجهة حزب الله عند الضرورة.
وترى القيادة العسكرية أن مثل هذا الطرح قد يؤدي إلى ضرب التوازن داخل المؤسسة العسكرية، ويفتح الباب أمام انقسامات داخلية وتدخلات خارجية في بنية الجيش وتشكيلاته، خصوصاً مع الحديث عن رغبة أميركية بالتأثير على تركيبة هذه القوة وأسماء الضباط والعناصر المشاركين فيها.
كما حذرت مصادر مطلعة من أن اعتماد مثل هذا النموذج قد يقود إلى تشكيل قوة ذات طابع طائفي، في ظل الحوافز الخاصة التي يجري الحديث عنها للعناصر المنضوين ضمنها، الأمر الذي قد يفاقم التوترات داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
مهمة تقنية بعيداً عن السياسة
وبحسب التفاهمات القائمة بين رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش، فإن مهمة الوفد اللبناني ستكون محصورة بالجوانب التقنية والعسكرية، ولا تشمل أي نقاشات سياسية مباشرة.
ومن المتوقع أن تتركز الاجتماعات على ملفات تتعلق بتحديد مواقع الاحتلال الإسرائيلي الحالية والإحداثيات الحدودية وآليات تطبيق القرار 1701، على أن تُعقد الاجتماعات داخل مقر البنتاغون بحضور وفود عسكرية فقط، تشمل ضباطاً أميركيين وإسرائيليين معنيين باللجان الأمنية والعسكرية.
مخاوف من مسار بلا نتائج
ورغم الطابع التقني المعلن للاجتماعات، لا تزال الشكوك قائمة داخل الأوساط السياسية اللبنانية بشأن جدوى هذا المسار، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية جنوباً وعدم تحقيق أي تقدم فعلي في ملفات وقف إطلاق النار أو الانسحاب الإسرائيلي أو تبادل الأسرى.
وتشير أوساط سياسية إلى أن لبنان دخل المفاوضات على أساس وجود ضمانات أميركية بالضغط على إسرائيل، غير أن الوقائع الميدانية والسياسية أظهرت أن الضغوط تُمارس بشكل أساسي على الجانب اللبناني، فيما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية من دون تقديم التزامات واضحة.
كما تتحدث مصادر سياسية عن تراجع سقف المطالب اللبنانية تدريجياً، من السعي إلى وقف كامل لإطلاق النار إلى التركيز على خفض التصعيد ومنع توسع المواجهات العسكرية.
تساؤلات حول مستقبل المفاوضات
وفي ظل هذه التطورات، يترقب لبنان نتائج اللقاءات المرتقبة بين رئيس الجمهورية والسفير سيمون كرم العائد من واشنطن، في محاولة لتقييم مسار المفاوضات والخيارات المتاحة خلال المرحلة المقبلة.
وتبقى التساؤلات مطروحة داخل الأوساط السياسية بشأن قدرة السلطة اللبنانية على تعديل مسار التفاوض أو إعادة ضبطه، في ظل الضغوط الأميركية المستمرة ورفض إسرائيل تقديم أي التزامات واضحة تتعلق بوقف التصعيد أو الانسحاب من الأراضي اللبنانية.