تزامناً مع حالة الجمود الميداني المستمرة في جنوب لبنان، والتي أعقبت تمديد الهدنة دون أن تُحدث تغييراً جوهرياً في مستوى التوتر، يتواصل التصعيد على الأرض من خلال غارات إسرائيلية متفرقة وعمليات عسكرية ترافقها إنذارات بالإخلاء، ما يعكس استمرار هشاشة الوضع الأمني في المنطقة. وفي هذا السياق، تتداول أوساط سياسية ودبلوماسية عدة سيناريوهات مرتبطة بالاجتماع المرتقب في 29 من الشهر الجاري داخل مقر وزارة الدفاع الأميركية، والذي يُفترض أن يبحث في آليات الانتقال من واقع الحرب إلى ترتيبات أمنية أولية قد تمهّد لاستقرار تدريجي في الجنوب.
وبالتوازي مع ذلك، يُنتظر أن تشكّل الجولة المقبلة من المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، المقررة مطلع حزيران في واشنطن، محطة أساسية في النقاشات المرتبطة بالوضع الأمني، لا سيما ما يتعلق بمتانة وقف إطلاق النار. وتركّز هذه المحادثات بشكل أساسي على تثبيت التهدئة باعتبارها خطوة تمهيدية لأي مسار تفاوضي لاحق، في ظل استمرار المخاوف من انهيار الهدنة في أي لحظة.
ميدانياً، لا يزال الجنوب يشهد وتيرة متصاعدة من العمليات العسكرية، إذ تتواصل الغارات الإسرائيلية جنوب نهر الليطاني وشماله، في وقت تشير فيه المعطيات إلى توسع بعض العمليات البرية لتتجاوز نطاق ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ما يعكس اتساع رقعة الاحتكاك العسكري على الأرض.
وفي موازاة التطورات الميدانية، تتحرك الاتصالات الدبلوماسية اللبنانية باتجاه واشنطن، حيث تابع رئيس الجمهورية جوزيف عون مع السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض مجريات التواصل مع الإدارة الأميركية، وذلك قبيل سلسلة اجتماعات أمنية وسياسية مرتقبة بين الجانبين اللبناني والأميركي نهاية أيار وبداية حزيران.
وخلال هذه المتابعات، شدد عون على مسألة الثقة، معتبراً أن التحدي الأساسي الذي يواجه لبنان لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى أزمة ثقة بين الدولة ومواطنيها من جهة، وبين لبنان والمجتمع الدولي من جهة أخرى، داعياً إلى مسار إصلاحي داخلي من شأنه إعادة تعزيز العلاقات مع الدول العربية والغربية.
على المستوى الداخلي، شهد ملف "العفو العام" تطورات متسارعة بعد أن تعثّر التوافق السياسي حوله، رغم إقراره في اللجان النيابية المشتركة، إذ اصطدم المشروع باعتراضات ذات طابع طائفي ومزايدات سياسية، ما أدى إلى تراجع فرص تمريره في الهيئة العامة، وإعادة المشهد إلى حالة من الانقسام السياسي الحاد.
وكان من المتوقع أن يُحال مشروع القانون سريعاً إلى الجلسة العامة، إلا أن تحركات احتجاجية شهدها الشارع، لا سيما في بعض المناطق ذات الغالبية السنية، إلى جانب اعتراضات مرتبطة باستبعاد ملفات يعتبرها المحتجون ذات طابع "مظلومية سياسية"، دفعت رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تأجيل الجلسة التشريعية، تحت عنوان السعي إلى مزيد من التوافق الوطني.
وجاء قرار التأجيل في أعقاب احتجاجات ميدانية شملت قطع طرقات وتوترات داخل سجن رومية، ترافقت مع تصاعد الخطاب السياسي الرافض لصيغة القانون الحالية. وفي هذا السياق، أعلن النائب أشرف ريفي رفضه المشاركة في أي جلسة لا تتضمن معالجة ملفات يعتبرها أساسية، معتبراً أن المقاربة الحالية تعكس اختلالاً في المعايير بين مختلف القضايا المطروحة.
وفي المقابل، أوضح الرئيس بري في بيانه أن تأجيل الجلسة جاء بهدف تجنّب تفاقم الانقسام الداخلي، مشيراً إلى أن الغاية من اقتراح قانون العفو كانت تحقيق مقاربة للعدالة في ظل التحديات المرتبطة بالاكتظاظ والتأخير في البتّ بالأحكام، إلا أن حدة السجالات ذات الطابع الطائفي والسياسي حالت دون التوصل إلى توافق نهائي حوله في المرحلة الراهنة.