أزمة نزوح متفاقمة في مدينة صور الجنوبية

2026.05.20 - 09:45
Facebook Share
طباعة

 منذ بدء الاعتداءات الإسرائيلية في عام 2023، تحولت مدينة صور إلى مركز رئيسي لاستقبال النازحين القادمين من القرى الحدودية، واستمر هذا الدور خلال تصعيد عام 2024، ثم خلال الحرب الحالية. ومع توسع العمليات العسكرية في 2 آذار 2026، شهدت المدينة ومحيطها موجات نزوح متصاعدة أدت إلى ضغط كبير على البنية السكانية والخدمات الأساسية.

 

في المراحل الأولى، استقبلت المدينة نحو ثلاثمئة نازح من بلدات الضهيرة ويارين ومروحين وبليدا وراميا والبستان، وتم توزيعهم على ثلاثة مراكز إيواء استمروا فيها لأكثر من عامين. لاحقاً توسعت حركة النزوح لتشمل سكاناً من مئة وست وسبعين بلدة جنوبية، معظمها ضمن قضاء صور، مثل عين بعال وصديقين، إضافة إلى بلدات حدودية مثل حولا وعيترون وراميا والناقورة وبرعشيت وحاريص وكفرا وياطر وبيت ليف وشمع والبياضة، وذلك بعد اتساع نطاق العمليات العسكرية في الثاني من آذار 2026.

 

ومع تزايد الخروقات المرتبطة بالتهدئة القائمة، ارتفعت حركة النزوح مجدداً نحو مدينة صور، حيث فضّل عدد من السكان الذين عادوا لفترة قصيرة إلى قراهم بعد التهدئة، العودة إلى مناطق قريبة بدلاً من التوجه إلى مناطق بعيدة مثل صيدا والجبل وعكار، ما جعل مدينة صور الخيار الأقرب لهم.

 

وبحسب بيانات اتحاد بلديات قضاء صور، ارتفعت نسبة النزوح بعد التهدئة مباشرة بنحو أربعة في المئة، لتنتقل من أربعة عشر في المئة إلى ثمانية عشر في المئة من إجمالي السكان. وتزداد الأعداد مع كل تصعيد في القرى المجاورة، حيث يقيم بعض النازحين بشكل دائم داخل المدينة، بينما يعود آخرون بشكل مؤقت مع هدوء القصف أو خلال الليل، ويقضون ساعات طويلة أحياناً على الكورنيش البحري.

 

ويبلغ إجمالي عدد النازحين في قضاء صور أربعة وعشرين ألفاً ومئة وتسعة وتسعين نازحاً، موزعين على خمسة آلاف وسبعمئة وثلاث وتسعين عائلة. ومن بينهم أربعة آلاف وستمئة وواحد وستون نازحاً ضمن ألف ومئتين وست وخمسين عائلة يقيمون في سبعة عشر مركز إيواء، مقابل تسعة عشر ألفاً وخمسمئة وثلاثة وثمانين نازحاً ضمن ألف وخمسمئة وسبع وثلاثين عائلة يقيمون في شقق مستأجرة أو لدى عائلات مضيفة، إضافة إلى خيم منتشرة على الشاطئ وفي الحديقة العامة.

 

تتفاقم في مراكز الإيواء أوضاع الاكتظاظ ونقص الموارد بشكل حاد، حيث يعيش النازحون ظروفاً قاسية تترافق مع استنزاف نفسي وجسدي يزداد مع استمرار الأزمة. ويحذر عاملون اجتماعيون من احتمال وصول الوضع إلى مرحلة انفجار اجتماعي إذا استمرت الظروف الحالية على ما هي عليه.

 

ويؤكد مسؤول وحدة إدارة الكوارث في اتحاد بلديات قضاء صور أن الوضع مأساوي للنازحين وللسكان الذين ما زالوا في قراهم رغم العزلة وتوقف الأعمال. ويشير إلى أن المدينة تعاني من اكتظاظ يفوق قدرتها الاستيعابية بأكثر من عشرين في المئة، مع وصول عدد السكان إلى نحو تسعين ألف نسمة، في ظل رفض العديد من النازحين الانتقال إلى مناطق بعيدة مثل صيدا أو بيروت.

 

وخلال تصاعد العمليات، طُرحت محاولات لإجلاء النازحين نحو مراكز في الشمال، مع وعود بتأمين نقلهم عبر الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، أو التحذير من صعوبة استمرار إيصال المواد الغذائية. إلا أن جزءاً كبيراً من النازحين رفض مغادرة الجنوب، متمسكين بالبقاء قرب بلداتهم.

 

في الجانب الإنساني، تعاني مراكز الإيواء من شح واضح في المساعدات مقارنة بالسنوات السابقة. ويقتصر دور وزارة الشؤون الاجتماعية على عمليات الإحصاء في معظم الأحيان، بينما تبقى الجمعيات العاملة محدودة العدد مقارنة بحجم الاحتياجات المتزايدة.

 

أما على صعيد الغذاء، فتصل شكاوى متكررة من نوعية الوجبات وكميتها، إذ يحصل النازحون أحياناً على وجبة واحدة يومياً، وقد تمر أيام دون وصول أي وجبة. وفي المقابل، تشير جهات مشرفة على المطابخ الجماعية في صور إلى إعداد نحو أربعة آلاف وخمسمئة وجبة يومياً، مع تشغيل سيدات نازحات مقابل بدل مادي، وتأمين المواد الأولية عبر منظمة دولية إنسانية، مع إدخال اللحوم عند توفرها.

 

وتبرز أزمة المياه كأحد أخطر التحديات، إذ يعاني أكثر من واحد وثلاثين ألف نازح من نقص حاد في مياه الشرب، بمعدل لا يتجاوز ربع لتر للفرد يومياً، ما يشكل خطراً مباشراً على الصحة العامة، خصوصاً الأطفال وكبار السن. كما يعاني النازحون من نقص في الخبز والحصص الغذائية ومواد التنظيف وحليب الأطفال والحفاضات، إضافة إلى نقص في الأدوية مع عدم قدرة اللجنة الدولية للصليب الأحمر على تغطية جميع الاحتياجات.

 

وتظهر المعطيات الميدانية أن الاكتظاظ داخل مراكز الإيواء شديد، حيث تقيم ثلاث إلى أربع عائلات في غرفة واحدة، بينما تنتشر عائلات أخرى في الممرات باستخدام حبال أو قواطع بسيطة لتأمين قدر من الخصوصية. كما ينتظر بعض النازحين أكثر من شهر للحصول على فرش ووسائد، فيما لا يزال أكثر من عشرة آلاف شخص من دون وسائد حتى الآن.

 

أما في الحديقة العامة قرب مدارس الست رباب، فيعيش نحو مئة وست وثمانين عائلة، معظمهم من النازحين السوريين، ظروفاً أشد قسوة، مع غياب توزيع الطعام بشكل منتظم وصعوبة الوصول إلى المراحيض، حيث لا تتوفر سوى مرافق محدودة لا تكفي الأعداد الكبيرة، ما يضطر بعضهم إلى استخدام البحر أحياناً. وقد وعدت الجهات المعنية بتأهيل المرافق وتوسعتها بدعم من منظمة إنسانية دولية.

 

في ظل استمرار التصعيد وعدم وضوح أفق التهدئة، ومع صعوبة عودة الكثير من النازحين إلى منازلهم المتضررة أو غير الصالحة للسكن، تبقى احتمالات استمرار الأزمة الإنسانية مرتفعة. ويشير الواقع إلى حاجة ملحة لتكثيف التنسيق بين البلديات والجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية، إضافة إلى تعزيز الاستجابة الميدانية لتخفيف الضغط المتصاعد على مدينة صور.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 7