شهد جنوب لبنان خلال السنوات الماضية تراكم أزمات اقتصادية وتنموية متداخلة، بدأت من تهميش طويل الأمد في البنى التحتية والدعم الرسمي للقطاعات الإنتاجية، وصولاً إلى تأثيرات الحرب والعمليات العسكرية الإسرائيلية التي طالت مناطق واسعة من القرى الحدودية، ما أدى إلى توقف عدد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عن العمل بشكل كامل أو جزئي.
ورغم هذا الواقع، تمكن عدد من المستثمرين المحليين في الجنوب من إطلاق مشاريع إنتاجية محدودة الإمكانات، اعتمدت على التمويل الذاتي والجهد الفردي، وشكلت نماذج اقتصادية محلية في مجالات الصناعات الغذائية والبلاستيكية وصناعة المفروشات. غير أن هذه المشاريع واجهت لاحقاً موجات نزوح قسري وخسائر مباشرة نتيجة العمليات العسكرية، ما أدى إلى انهيارها أو انتقالها القسري أو توقفها النهائي.
في بلدة كفركلا، أسس علي حمود معمل «كوفيكو» للقهوة السريعة التحضير باستثمار بلغ نحو 150 ألف دولار، ليكون أول منشأة من هذا النوع في المنطقة. وقد أقيم المصنع على مساحة تقارب 300 متر مربع، شملت مستودعات للمواد الأولية والإنتاج النهائي، إضافة إلى تجهيزات تصنيع متكاملة. ووفّر المشروع نحو 20 فرصة عمل بين عمال إنتاج وسائقين وموزعين، مع خطة للتوسع نحو أسواق لبنانية أوسع.
إلا أن المعمل واجه لاحقاً ضغوطاً أمنية دفعت إلى نقله إلى مدينة النبطية، حيث أعيد تأسيس خط الإنتاج من الصفر تقريباً، مع كلفة نقل وإعادة تشغيل بلغت نحو 20 ألف دولار. غير أن التطورات الميدانية اللاحقة أدت إلى موجة نزوح جديدة، ما دفع صاحب المشروع إلى تفكيك التجهيزات ونقلها إلى مناطق في الشمال، في حين خسر مخزونه من المواد الأولية والمنتجات الجاهزة بقيمة تقدّر بنحو 25 ألف دولار، ما أدى إلى توقف النشاط بشكل كامل.
وفي قطاع الصناعات البلاستيكية، شكّل مصنع «الخيام للمنتجات البلاستيكية» في منطقة الوزاني ركيزة داعمة للقطاع الزراعي المحلي، عبر إنتاج أدوات ومستلزمات زراعية على مدى نحو 15 عاماً. واعتمد المصنع على عشرات القوالب الصناعية، بلغت كلفة القالب الواحد بين 25 و30 ألف دولار، ما جعله جزءاً من الدورة الإنتاجية الزراعية في الجنوب.
كما ساهم «معمل أجبان وألبان مرج الخيام» في دعم الإنتاج الغذائي في المنطقة، حيث اعتمد على شبكة توزيع شملت بلدات متعددة في الجنوب. لكن هذه المنشآت تعرضت لاحقاً لأضرار مباشرة خلال العمليات العسكرية، شملت تدمير أجزاء من البنية التحتية وحريقاً داخل أحد المرافق، إضافة إلى خسائر بشرية تمثلت في استشهاد صاحب المعمل نصوح واكد خلال الحرب.
وفي ميس الجبل، برز «معمل استبرق هوم» كأحد المشاريع الصناعية في قطاع المفروشات، إذ تأسس عام 2011 برأسمال يقارب 60 ألف دولار، قبل أن يتوسع تدريجياً ليصل حجم استثماراته إلى نحو 200 ألف دولار تشمل المعدات والماكينات والبضائع. وامتد إنتاجه على مساحة ثلاث طبقات تبلغ مساحة كل منها نحو 700 متر مربع، مع توزيع في مختلف المناطق اللبنانية.
غير أن هذا القطاع تعرض بدوره لتراجع حاد نتيجة النزوح وتوقف الأسواق في القرى الحدودية، إضافة إلى الأضرار المباشرة التي لحقت بالمخزون داخل المعمل خلال فترات سيطرة عسكرية على المنطقة، حيث تم تسجيل عمليات تخريب طالت منتجات مفروشات بشكل واسع، ما أدى إلى تراجع القدرة التشغيلية بشكل كبير.
أما في القطاع الغذائي، فقد واجه «معمل أجبان وألبان مرج الخيام» خسائر إضافية، شملت تدمير منشآت وأضراراً في المعدات والبرادات، إضافة إلى خسائر في البضائع والمواد الأولية. ورغم محاولات إعادة التشغيل بعد فترات وقف إطلاق النار، فإن تجدد العمليات العسكرية أدى إلى توقف نهائي للنشاط.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن كلفة إعادة تأهيل بعض هذه المؤسسات تجاوزت عشرات ومئات آلاف الدولارات في كل حالة، شملت أعمال ترميم وبناء وإعادة شراء معدات، في حين تجاوزت الخسائر الإجمالية في بعض المشاريع حاجز المليون دولار نتيجة تدمير المنشآت وخسارة المخزون وتوقف الإنتاج.
كما أدت الظروف الأمنية المتقلبة إلى صعوبات لوجستية كبيرة في نقل المعدات الثقيلة، إذ تتطلب بعض الآلات الصناعية رافعات وشاحنات متخصصة، ما جعل عمليات النقل شبه مستحيلة خلال فترات التصعيد، الأمر الذي ساهم في ترك العديد من المنشآت في أماكنها دون قدرة على إنقاذها.
وفي موازاة الخسائر المباشرة، واجهت هذه المؤسسات ارتفاعاً كبيراً في كلفة الإنتاج نتيجة الاعتماد على المواد الأولية المستوردة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتأخر الإمدادات. كما انعكس الوضع الأمني على حركة السوق والاستهلاك، حيث تراجع الطلب وتوجه التجار نحو الاحتفاظ بالسيولة بدلاً من الاستثمار أو التوسع.
وتشير المعطيات إلى أن استمرار التوترات في القرى الحدودية أدى إلى تراجع النشاط الاقتصادي المحلي بشكل شبه كامل، مع خروج عدد كبير من المؤسسات من دائرة الإنتاج، في ظل غياب الاستقرار الأمني وتكرار موجات النزوح والتدمير.