لم تعد الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز مقتصرة على كونه ممراً حيوياً لتدفقات النفط والطاقة، بل بات يُطرح اليوم كساحة محتملة لصراع جديد يتعلق بالبنية التحتية للاقتصاد الرقمي العالمي، مع تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الحديث عن استهداف الكابلات البحرية في المنطقة.
وفي هذا السياق، تناولت وسائل إعلام إيرانية في الفترة الأخيرة احتمالات تتعلق بدور الكابلات البحرية المارة عبر الخليج، بما في ذلك فكرة استخدامها كأداة ضغط، سواء عبر التحكم في مساراتها أو فرض رسوم على الشركات المشغلة لها، في طرح يعكس تحولاً في التفكير حول أدوات التأثير الجيوسياسي.
وتأتي هذه الطروحات ضمن تصعيد إعلامي تدريجي، إذ نشرت وكالة “فارس” الإيرانية مقالًا اعتبرت فيه أن مضيق هرمز يمثل “عنق زجاجة” لا يقتصر على النفط فقط، بل يمتد ليشمل الإنترنت والاتصالات الرقمية التي تعتمد على الكابلات البحرية المارة في قاع البحر.
كما أشارت وكالة “تسنيم” إلى ما وصفته بإمكانية تنظيم مرور وصيانة هذه الكابلات ضمن إطار قانوني تفرضه الدول الساحلية، في إشارة إلى تصور يعتبر البنية التحتية الرقمية جزءًا من أدوات السيادة والضغط السياسي.
وحذرت المصادر الإعلامية ذاتها من أن أي استهداف للكابلات البحرية قد يؤدي إلى شلل واسع في حركة الاتصالات والبيانات، مع تأثير مباشر على الأسواق المالية وسلاسل الإمداد، خصوصًا في دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على هذه البنية التحتية.
وتكشف دراسات في مجال الاتصالات أن الإنترنت العالمي يعتمد فعليًا على شبكة تضم مئات الكابلات البحرية، تنقل النسبة الأكبر من حركة البيانات الدولية، بينما تمر العديد منها عبر ممرات ضيقة وحساسة جغرافيًا مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، ما يخلق ما يوصف بـ”نقاط الاختناق الرقمي”.
وتشير تقديرات دولية إلى أن أكثر من 95% من البيانات العابرة بين الدول تمر عبر هذه الكابلات، في حين لا تشكل البدائل مثل الأقمار الصناعية سوى حل مكمل محدود القدرة، سواء من حيث التكلفة أو حجم البيانات.
وتعتمد دول الخليج بشكل متزايد على هذه الشبكات لدعم مشاريعها الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث تمر كابلات رئيسية مثل “فالكون” و”إيه إيه إي-1” عبر مسارات بحرية قريبة من المضيق، ما يجعلها جزءًا من البنية الحساسة للاقتصاد الإقليمي.
ويحذر خبراء من أن التوترات الجيوسياسية قد تؤدي إلى تعطيل أو تأخير مشاريع تمديد كابلات جديدة، ما يزيد من هشاشة الشبكة العالمية، خاصة في المناطق التي تشهد صراعات أو توترًا عسكريًا متكررًا.
كما أن طبيعة هذه الكابلات تجعلها عرضة للأعطال العرضية، حيث تشير بيانات دولية إلى وقوع مئات الأعطال سنويًا نتيجة أنشطة بحرية غير مقصودة، مثل الصيد أو سحب المراسي، ما يجعل إثبات أي استهداف متعمد أمرًا معقدًا في حال حدوثه.
وتكمن الخطورة أيضًا في أن تعطّل الكابلات لا يحتاج بالضرورة إلى عمليات تخريب مباشرة، إذ يمكن التأثير عليها عبر تأخير عمليات الصيانة أو تعطيل منح التصاريح اللازمة لسفن الإصلاح، ما يحوّل الأعطال التقنية إلى أزمات ممتدة.
ويحذر خبراء في الأمن البحري من أن أي اضطراب في هذه الشبكة قد ينعكس مباشرة على الأنظمة المالية والعسكرية، نظرًا لاعتمادها على تدفقات البيانات في الاتصالات، والتحكم، وإدارة العمليات الميدانية.
وعلى المستوى الاقتصادي، يمكن لأي انقطاع واسع في الكابلات البحرية أن يؤدي إلى اضطراب في الأسواق العالمية، وتعطيل في المعاملات المالية والتجارية التي تعتمد على الاتصال الفوري بين المؤسسات الدولية.
أما عسكريًا، فإن الاعتماد المتزايد على الاتصالات الرقمية وأنظمة القيادة والسيطرة والطائرات المسيّرة يجعل من البنية التحتية للإنترنت عنصرًا مباشرًا في معادلات الأمن القومي.
ويرى محللون أن هذا التحول يعكس انتقال الصراع من المجال التقليدي المرتبط بالأرض والموارد إلى مجال جديد يقوم على السيطرة على شبكات الاتصال والبيانات، حيث تصبح “نقاط الاختناق الرقمية” أدوات ضغط استراتيجية لا تقل أهمية عن الممرات البحرية.
وبهذا المعنى، فإن الحديث عن مضيق هرمز لم يعد مقتصرًا على النفط فقط، بل بات يشمل أيضًا مستقبل البنية الرقمية العالمية، وما قد يحمله من مخاطر متزايدة تتعلق بالاختراق أو التعطيل أو الاستخدام السياسي لهذه الشبكات الحساسة.