تشير التطورات الأخيرة داخل واشنطن إلى تصاعد جدل واسع وغير معتاد حول جاهزية الجيش الأميركي ومستوى مخزون الذخائر، خصوصًا الذخائر الدقيقة وصواريخ “توماهوك”، في ظل انعكاسات الحرب مع إيران وما رافقها من استخدام مكثف للقدرات الصاروخية بعيدة المدى.
تعود خلفية هذا الجدل إلى طبيعة التحولات التي شهدتها العقيدة العسكرية الأميركية خلال العقود الماضية، حيث اعتمدت واشنطن بشكل متزايد على الأسلحة الدقيقة عالية التأثير بدل الحروب التقليدية طويلة الأمد. هذا التحول جعل من صواريخ كـ“توماهوك” عنصرًا محوريًا في العمليات العسكرية الأميركية، سواء في الشرق الأوسط أو في ساحات أخرى، نظرًا لقدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة من مسافات بعيدة وبأقل خسائر بشرية مباشرة.
لكن مع توسع نطاق العمليات العسكرية الأخيرة، وخصوصًا الحرب مع إيران، برزت لأول مرة بصورة علنية مخاوف داخلية من أن وتيرة الاستخدام قد تفوق معدلات الإنتاج أو إعادة التزود، ما أعاد فتح نقاش قديم داخل المؤسسة العسكرية حول مفهوم “الجاهزية المستدامة” مقابل “الاستخدام المكثف في أزمات متلاحقة”.
في هذا السياق، بدأت تظهر تباينات داخل واشنطن بين المؤسسة العسكرية ممثلة بالبنتاغون، وبين الكونغرس الذي يملك سلطة الرقابة على التمويل والإنفاق الدفاعي. فبينما يميل البنتاغون إلى التقليل من حجم الأزمة والتأكيد على أن المخزون كافٍ لتنفيذ المهام العملياتية، يضغط عدد من المشرعين لفتح مراجعة أوسع لسياسات التصنيع والتخزين والتوزيع، خصوصًا في ما يتعلق بالذخائر الاستراتيجية طويلة المدى.
وتشير النقاشات الدائرة إلى أن جزءًا من الجدل لا يرتبط فقط بالأرقام أو المخزون، بل أيضًا بطريقة اتخاذ القرار العسكري نفسه خلال الحرب مع إيران، حيث تحدثت تقارير عن استخدام كثيف لصواريخ “توماهوك” في ضربات اعتُبرت في بعض الدوائر أقل أهمية مقارنة بكلفتها العالية ودورها الاستراتيجي، وهو ما فتح باب التساؤل حول معايير توظيف هذه الأسلحة.
كما برز عامل سياسي داخلي مهم، يتمثل في التوتر بين الإدارة الحالية في البنتاغون وبعض الأصوات داخل المؤسسة العسكرية التي تعارض إعادة هيكلة أساليب القيادة أو تغيير مراكز النفوذ التقليدية داخل الوزارة. هذا التوتر انعكس في شكل تسريبات ومعلومات غير رسمية وصلت إلى الكونغرس، ما زاد من تعقيد المشهد وحوّل الملف من نقاش تقني إلى قضية سياسية مفتوحة.
في المقابل، يحاول وزير الدفاع الأميركي احتواء هذا الجدل عبر التأكيد على أن الحديث عن “نفاد الذخائر” مبالغ فيه، وأن الجيش الأميركي ما زال يمتلك قدرات كافية لتنفيذ عملياته حول العالم. إلا أن هذا الخطاب لا يبدو كافيًا لإغلاق النقاش، خصوصًا في ظل تصاعد المخاوف من أن تؤدي الحروب المتزامنة أو المحتملة مستقبلاً—سواء في الشرق الأوسط أو في مواجهة قوى كبرى مثل الصين وروسيا—إلى ضغط غير مسبوق على سلاسل الإمداد العسكرية.
بناءً على ذلك، يمكن فهم هذا الملف ليس كأزمة ذخائر فقط، بل كجزء من نقاش أوسع داخل واشنطن حول شكل القوة العسكرية الأميركية في المرحلة المقبلة: هل تبقى قائمة على التفوق الكمي والنوعي غير المحدود، أم أن التحولات الجيوسياسية تفرض إعادة تعريف لمفهوم “القدرة على القتال المستمر” في عالم يتجه نحو صراعات أكثر تكرارًا وأعلى كلفة.