السرطان في اليمن.. سموم الحرب تقتل الناجين ببطء

2026.05.13 - 11:56
Facebook Share
طباعة

تحولت الحرب في اليمن من معارك وقصف إلى أزمة صحية طويلة الأمد، بعدما ارتفعت معدلات الإصابة بالأورام السرطانية في مناطق عدة، وسط تحذيرات من تأثير الملوثات الكيميائية ومخلفات القذائف على التربة والمياه وأجساد السكان، خصوصاً الأطفال.

 

في المدن القريبة من خطوط التماس، تتزايد الإصابات بالتزامن مع انهيار القطاع الصحي وغياب الخدمات العلاجية، بينما يجد آلاف المرضى أنفسهم أمام معركة شبه مستحيلة للحصول على الدواء أو الوصول إلى مراكز الأورام المحدودة.

 

في مركز متخصص لعلاج السرطان بمدينة تعز، يخضع الطفل مهند البالغ 13 عاماً للعلاج من سرطان الدم “اللوكيميا”، بعدما اضطرت عائلته القادمة من محافظة لحج إلى بيع قطعة أرض لتغطية تكاليف العلاج.

 

تقول عائلته إنها تنقلت بين عدة مستشفيات دون تحسن واضح، في ظل ارتفاع أسعار الأدوية وضعف الإمكانات الطبية وصعوبة السفر إلى الخارج.

 

تلوث الحرب:

 

خلّفت سنوات الحرب كميات ضخمة من المخلفات العسكرية والمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية السامة في مناطق واسعة من اليمن.

 

تشير دراسات حديثة إلى وجود ارتباط بين مناطق القصف والمواجهات العسكرية وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان، خصوصاً في محافظات مثل تعز والحديدة.

 

رصد باحثون تراكم معادن ثقيلة ومواد سامة ناتجة عن المتفجرات والمقذوفات غير المنفجرة، وهي مواد معروفة بقدرتها على إحداث تلف في الحمض النووي وزيادة التحولات السرطانية.

 

ارتفاع الإصابات:
سجل اليمن نحو 16 ألفاً و476 إصابة جديدة بالسرطان و12 ألفاً و103 وفيات خلال عام2020.

 

ارتفع عدد الإصابات إلى نحو 18 ألفاً و93 حالة بحلول عام 2025، مع زيادات تجاوزت 20% في بعض المناطق.
ذكرت وزارة الصحة التابعة للحوثيين خلال يونيو/حزيران 2024 أن عدد مرضى السرطان ارتفع منذ بداية الحرب بنسبة 50%.

 

أشارت البيانات إلى تسجيل أكثر من 90 ألف حالة لدى المركز الوطني للأورام، بينها 40 ألف إصابة منذ اندلاع الحرب.

 

كما تحدثت الإحصاءات عن إصابة نحو 30 ألف طفل بالسرطان، مع ارتفاع حالات سرطان الدم بين الأطفال من 300 إلى 1700 حالة في صنعاء ومحافظات أخرى.

 

الجغرافيا الصحية للمرض:

 

أكد أخصائيون في علم الأوبئة والعلوم الطبية تسجيل حالات سرطانية بخصائص غير نمطية، خصوصاً بين الأطفال في مناطق تعرضت لقصف مكثف.

 

تشير المعطيات إلى ارتفاع سرطان الدم والأورام اللمفاوية في البيئات الملوثة، مع تركز واضح للإصابات قرب مناطق المواجهات العسكرية.

 

يرى مختصون أن ضعف التشخيص ونقص المختبرات وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية يجعل الأرقام الحقيقية أعلى بكثير من الإحصاءات المعلنة.

 

تسمم المياه والهواء:

 

يحذر أخصائيون في الوراثة الجزيئية والكيمياء الحيوية من تحول التلوث البيئي إلى تهديد طويل الأمد للسكان، نتيجة تراكم الرصاص والزئبق ومخلفات المتفجرات في المياه الجوفية والتربة والهواء.

 

تشير تقديرات إلى أن مدناً مثل صنعاء وتعز وعدن والحديدة تواجه مستويات مرتفعة من التلوث البيئي، ما يزيد مخاطر الإصابة بسرطان الدم والرئة والكلى والتشوهات الخلقية.

 

انهيار الرعاية الصحية:
تفاقمت الأزمة مع انهيار النظام الصحي في اليمن منذ عام2016.

 

تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 23.1 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما تعمل 60% فقط من المرافق الصحية بكامل طاقتها.

 

صنفت المنظمة اليمن ضمن أعلى درجات الطوارئ الصحية عالمياً، بسبب اتساع الاحتياجات الطبية وخطر ارتفاع الوفيات.

 

أدى نقص التمويل وانعدام الأمن إلى تراجع الخدمات الصحية وانسحاب تدريجي للجهات الداعمة في عدة مناطق.

 

مركز “الأمل”:
سجل مركز “الأمل” لعلاج السرطان في مدينة تعز ارتفاعاً حاداً في الإصابات الجديدة خلال عام 2025.

 

وثق المركز 1967 إصابة جديدة بزيادة بلغت 21% مقارنة بالعام السابق، ما رفع إجمالي الحالات المسجلة إلى أكثر من 15 ألف حالة.

 

شكلت النساء النسبة الأكبر من المصابين بـ1050 حالة، مقابل 755 رجلاً و162 طفلاً.

 

قدم المركز أكثر من 363 ألف خدمة علاج وإيواء خلال عام واحد، رغم نقص التمويل والإمكانات.

 

معركة بقاء:

 

أصبح علاج السرطان بعيد المنال بالنسبة إلى آلاف اليمنيين، مع استمرار إغلاق مراكز متخصصة ونقص الأدوية واستنزاف الكوادر الطبية.

 

لا تتوفر خدمات علاج الأورام إلا في خُمس المرافق الصحية، ما يجبر المرضى على السفر لمسافات طويلة بحثاً عن العلاج.

 

يتحول الانتظار في كثير من الأحيان إلى حكم بطيء بالموت، وسط نقص حاد في الأدوية والخدمات المنقذة للحياة.

 

في ظل المشهد القائم، تواصل مخلفات الحرب حصد ضحايا جدد داخل اليمن، عبر أمراض مزمنة تتوسع بصمت بين السكان، بعد سنوات من القصف والانهيار البيئي والصحي.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 9

اقرأ أيضاً