يشهد المشهد الإعلامي اللبناني خلال الفترة الأخيرة تحولات متسارعة في طريقة تناول إسرائيل داخل بعض المنصات والشاشات المحلية، بعدما انتقل ما كان يُعدّ سابقًا من “المحظورات السياسية والإعلامية” إلى محتوى يُبث بصورة علنية تحت عناوين “كسر التابوهات” و”الانفتاح”.
تزايد الجدل في لبنان عقب استضافة شخصيات إسرائيلية أو لبنانيين مقيمين في إسرائيل عبر منصات محلية، إلى جانب بث تقارير ومقابلات تروّج لفكرة “السلام” والتواصل مع الإسرائيليين باعتباره خيارًا طبيعيًا للبنان، رغم استمرار القوانين اللبنانية التي تجرّم التواصل مع إسرائيل أو الترويج للعلاقة معها.
يتزامن التحول الإعلامي مع تواصل القصف الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية واستهداف المدنيين والصحافيين والمسعفين، وسط غياب أي تحرك رسمي واضح تجاه المحتوى المثير للجدل، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول حدود حرية الإعلام وإمكانية انتقال لبنان تدريجيًا نحو شكل من أشكال التطبيع الإعلامي.
وفي 7 مايو نشرت منصة “هنا لبنان” مقابلة مع اللبنانية المبعدة إلى إسرائيل مريم يونس، تناولت أوضاع المبعدين اللبنانيين في إسرائيل، إضافة إلى حديثها عن القتال إلى جانب إسرائيل ضد المنظمات الفلسطينية وحزب الله.
كما ظهرت يونس عبر منصة “بوليتيكيل بين” من داخل إسرائيل إلى جانب اللبناني المقيم هناك جوناثان الخوري، ضمن مقابلة أجراها إعلامي لبناني ووصفت بأنها “حصرية”.
وامتدت الظاهرة إلى مواد إعلامية تروّج لفكرة “السلام” والتواصل المباشر مع الإسرائيليين، عبر تقارير ومقابلات مع لبنانيين يعلنون عدم ممانعتهم زيارة تل أبيب أو إقامة علاقات مع الإسرائيليين.
تُقدَّم المواد أحيانًا ضمن إطار “الرأي الجريء” أو “كسر المحظورات”، رغم تعارضها مع قوانين مقاطعة إسرائيل المعمول بها في لبنان.
وتجاوزت تداعيات المحتوى الساحة اللبنانية، إذ سارعت وسائل إعلام إسرائيلية إلى ترجمة المقابلات وإعادة نشرها بالعبرية باعتبارها مؤشرًا على “انفتاح لبناني” متزايد تجاه إسرائيل، مع التركيز على الفصل بين العداء لـحزب الله والموقف من إسرائيل نفسها.
في المقابل، يواصل مسؤولون لبنانيون إعلان رفض التطبيع والتمسك بما يسمونه “السلام ضمن المظلة العربية”، من دون أن ينعكس ذلك على شكل إجراءات قانونية أو ملاحقات بحق المؤسسات الإعلامية التي تبث هذا النوع من المواد.
ويزداد الجدل مع تنامي حضور منصات تصف نفسها بأنها “مستقلة”، في وقت ترتبط بعض الجهات الممولة لها بخطاب يُنظر إليه على أنه قريب من إسرائيل أو داعم لفكرة التطبيع.
في تصريحات لوسائل إعلام محلية كشف رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع عبد الهادي محفوظ أن قانون الإعلام اللبناني يمنع أي تعامل إعلامي مع إسرائيل، ويلزم المؤسسات بعدم بث محتوى يروّج للعلاقة معها.
وبيّن محفوظ أن العقوبات تبدأ بالتحذير والغرامات المالية، وقد تصل إلى وقف البرنامج أو المؤسسة الإعلامية بالكامل في حال تكرار المخالفات.
وأشار إلى أن الانقسام السياسي والطائفي داخل السلطة اللبنانية يعرقل اتخاذ قرارات موحدة في الملف، لافتًا إلى أن القضاء بات الجهة المخولة التعامل مع القضايا المرتبطة بهذا النوع من المحتوى.
وأوضح قانونيون أن قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، إضافة إلى مواد في قانون العقوبات اللبناني، يجرّمان التواصل مع إسرائيل أو التعامل معها أو تسهيل مصالحها.
وأشاروا إلى أن الإشكالية القانونية تتمثل في تحديد ما إذا كانت المقابلات الإعلامية تندرج ضمن حرية التعبير والعمل الصحافي، أم تدخل ضمن إطار “التعامل المحظور”، عندما تتحول إلى مادة تُستخدم في الترويج السياسي أو الدعائي لإسرائيل.
كما اعتبروا أن نشر مواد أو مقالات في وسائل إعلام إسرائيلية يقترب من مفهوم “التعاون الإعلامي المحظور”، مع امتلاك القضاء اللبناني صلاحية التحرّك للتحقيق في الملفات المرتبطة بالمحتوى المثير للجدل.
ووصف قانونيون ما يحدث بأنه مخالفات صريحة للقوانين اللبنانية واتفاقيات جامعة الدول العربية التي تعتبر إسرائيل “دولة عدو”.
وأكدوا أن بعض الجهات تحاول دفع المشاهد اللبناني والعربي إلى تقبل الحوار مع الإسرائيليين بوصفه أمرًا طبيعيًا، في وقت لا تزال القوانين اللبنانية تجرّم التواصل مع إسرائيل.
واكتفت مصادر في وزارة الإعلام اللبنانية بالتأكيد أن دور الوزارة “توعوي لا قضائي”، مع التعويل على “وعي وسائل الإعلام وحسّها الوطني”.
يبقى الجدل مفتوحًا حول ما إذا كانت البلاد تشهد خروقات إعلامية متفرقة، أم إعادة تشكيل تدريجية للخطاب العام تجاه إسرائيل تحت عناوين حرية التعبير وكسر المحظورات السياسية والإعلامية.