العرب في الحربين العالميتين.. تضحيات غابت عن التاريخ

2026.05.13 - 09:02
Facebook Share
طباعة

دفعت الحربان العالميتان الأولى والثانية مئات آلاف العرب إلى ساحات قتال بعيدة عن أوطانهم، بعدما جندتهم القوى الاستعمارية الأوروبية أو الدولة العثمانية للقتال في معارك رسمت ملامح العالم الحديث. من خنادق فرنسا وثلوج بلجيكا إلى جبال إيطاليا وصحارى شمال أفريقيا، شارك العرب في أكثر الحروب دموية في القرن العشرين، وسقط عشرات الآلاف منهم قتلى، بينما بقيت أسماؤهم خارج الرواية التاريخية السائدة.

 

امتدت المشاركة العربية عبر الجزائر والمغرب وتونس ومصر وبلاد الشام والحجاز وليبيا، حيث قاتل العرب ضمن جيوش متصارعة، بعضها استعمارية وأخرى إمبراطورية، بينما انخرط آخرون في ثورات وتحركات سياسية موازية.

 

خلال الحرب العالمية الأولى بين عامي 1914 و1918، شارك نحو 500 ألف جندي عربي في جبهات مختلفة امتدت من الشرق الأوسط إلى أوروبا.

 

جندت الدولة العثمانية وحدها قرابة 300 ألف عربي، وكان العرب يمثلون آنذاك نحو ثلث القوات المسلحة العثمانية، وشاركوا في معارك العراق وفلسطين والأناضول والقوقاز.

 

اعتمدت فرنسا بشكل واسع على مستعمراتها في شمال أفريقيا، إذ جندت نحو 173 ألف جزائري، إضافة إلى ما بين 60 ألفاً و80 ألف تونسي، ونحو 40 ألف مغربي.

 

أرسلت مصر، الخاضعة للحماية البريطانية آنذاك، قرابة 100 ألف جندي وعامل ضمن القوات المساندة للحلفاء، وشارك كثير منهم في فرنسا وبلجيكا وخطوط الإمداد العسكرية.

 

شهدت الحرب أيضاً مشاركة آلاف المتطوعين من الحجاز وبلاد الشام ضمن الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، في مواجهة العثمانيين، أملاً بإقامة دولة عربية مستقلة بعد انتهاء الحرب.

 

اتسعت المشاركة العربية بصورة أكبر خلال الحرب العالمية الثانية بين عامي 1939 و1945، بعدما اعتمد الحلفاء بشكل ضخم على الجنود القادمين من المستعمرات.

 

جندت فرنسا أكثر من 200 ألف جزائري شاركوا في معارك شمال أفريقيا وإيطاليا وعمليات تحرير الأراضي الفرنسية من القوات النازية.

 

قاتل نحو 40 ألف مغربي ضمن قوات “القوم” التي اكتسبت شهرة واسعة بقدرتها على القتال في المناطق الجبلية الوعرة والاختراق السريع للدفاعات الألمانية.

 

شهدت تونس أيضاً تجنيد عشرات آلاف المقاتلين ضمن القوات الفرنسية، بينما وصل عدد المجندين من شمال وغرب أفريقيا داخل الجيش الفرنسي إلى نحو 550 ألف عنصر من العرب والأمازيغ والأفارقة.

 

بحلول عام 1944، خدم ما لا يقل عن 233 ألف جندي من الجزائر والمغرب وتونس في صفوف قوات “فرنسا الحرة”.

 

قُتل نحو 40 ألفاً من هؤلاء خلال معارك تحرير أوروبا بين عامي 1944 و1945، بحسب تقديرات تاريخية متقاطعة.

 

اعتمدت بريطانيا بدورها على عشرات آلاف الجنود المصريين والقوات المساندة القادمة من المستعمرات الأفريقية والآسيوية.

 

خدم نحو 12 ألف فلسطيني ضمن الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، بينما شارك الفيلق العربي الأردني، الذي تراوح عدد أفراده بين 1500 و8000 جندي، في معارك العراق وبلاد الشام.

في المقابل، انضم عدد محدود من أبناء المشرق العربي إلى ما عرف بـ“فيلق العرب الأحرار” الذي شكلته ألمانيا النازية، وبلغ عددهم بضع مئات فقط.
شارك أكثر من 30 ألف ليبي في صفوف الجيش الإيطالي ضمن “الفيلق الملكي للقوات الاستعمارية الليبية” خلال الفترة بين 1940 و1943.

 

برزت القوات المغاربية بصورة لافتة في معركة مونتي كاسينو بإيطاليا عام 1944، بعدما تمكن الجنود المغاربة والجزائريون والتونسيون من اختراق خط الدفاع الألماني “غوستاف”، وهو إنجاز عجزت عنه القوات المدرعة الأمريكية لفترة طويلة.

 

أسهم المقاتلون القادمون من شمال أفريقيا أيضاً في عملية الإنزال البرمائي “دراغون” لتحرير جنوب فرنسا، حيث شكّلوا أكثر من 60% من القوات الفرنسية المشاركة في العملية.
كان للمقاتلين العرب دور أساسي في تحرير مدينتي مرسيليا وتولون من السيطرة النازية خلال صيف عام 1944.

 

لم تقتصر معاناة العرب على القتال فقط، إذ شهدت مناطق عربية عديدة آثاراً مباشرة للحرب، سواء عبر الاحتلال أو القصف أو المجاعات والانهيارات الاقتصادية.

 

ورغم التضحيات الضخمة التي قدمها الجنود العرب، بقيت مساهماتهم شبه غائبة عن السرديات التاريخية الغربية، في وقت لا تزال فيه مقابرهم المنتشرة في شمال فرنسا وبلجيكا وإيطاليا شاهدة على مشاركة واسعة دفعت فيها الشعوب العربية ثمناً باهظاً في حروب لم تكن معاركها الأساسية تدور على أراضيها.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9

اقرأ أيضاً