مع استمرار الضغوط الأمريكية على الموانئ الإيرانية وتشديد القيود البحرية في الخليج، بدأت طهران بالاعتماد بصورة متزايدة على الممرات البرية وشبكات النقل الإقليمية للحفاظ على تدفق تجارتها وصادراتها. هذا التحول لم يعد مجرد خيار اقتصادي مؤقت، بل أصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة رسم طرق التجارة بعيداً عن الممرات البحرية التقليدية التي تخضع لرقابة عسكرية غربية مشددة.
ورغم الحصار البحري، تمتلك إيران احتياطياً نفطياً كبيراً مخزناً على متن ناقلات بعيدة عن خليج عمان، وتقدّر بعض التقارير هذه الكميات بنحو 170 مليون برميل، ما وفر لطهران هامشاً زمنياً سمح لها بإعادة ترتيب شبكاتها التجارية والتحول نحو النقل البري والسكك الحديدية.
في هذا السياق، برزت باكستان كأحد أبرز المنافذ البرية الجديدة أمام التجارة الإيرانية. ففي أبريل 2026 أصدرت وزارة التجارة الباكستانية قراراً يسمح بعبور بضائع دول أخرى عبر الأراضي الباكستانية باتجاه إيران، بعد أزمة ازدحام حادة شهدها ميناء كراتشي وتعطل آلاف الحاويات المخصصة للأسواق الإيرانية نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين البحري وتصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة.
القرار الباكستاني فتح ستة مسارات برية تربط موانئ كراتشي وبورت قاسم وجوادار بالحدود الإيرانية عبر معبري غبد وتفتان، فيما برز طريق جوادار ـ غبد باعتباره الأكثر سرعة وكفاءة، إذ خفّض زمن النقل بصورة كبيرة وقلل تكاليف الشحن بأكثر من النصف مقارنة بالمسارات التقليدية.
هذه التطورات منحت باكستان موقعاً متقدماً في شبكات التجارة الإقليمية المدعومة صينياً، كما ساهمت في تقليص أهمية بعض المسارات المنافسة عبر أفغانستان. وبالنسبة لطهران، وفر هذا المسار منفذاً عملياً يخفف من تأثير الرقابة البحرية الأمريكية ويضمن استمرار تدفق جزء من التجارة بعيداً عن الخليج.
بالتوازي مع ذلك، تعمل إيران على تعزيز ارتباطها بروسيا عبر مشروع الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب، الذي يربط روسيا بإيران ثم يمتد نحو آسيا والهند عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية والطرق البرية. ويعتمد المشروع على نقل البضائع من الموانئ الروسية عبر بحر قزوين إلى الموانئ الإيرانية الشمالية، قبل استكمال الرحلة براً نحو الأسواق الآسيوية.
المشروع يمثل أولوية استراتيجية لموسكو، لأنه يوفر مساراً تجارياً بديلاً يقلل الاعتماد على الممرات الخاضعة للنفوذ الغربي، كما يمنح إيران موقعاً محورياً في حركة التجارة الإقليمية بين روسيا وآسيا الوسطى والهند.
ورغم أن المشروع واجه خلال السنوات الماضية عقبات مالية وسياسية ولوجستية، إضافة إلى خلافات تتعلق بمسارات العبور في آسيا الوسطى، فإن موسكو لا تزال متمسكة بتطويره. وقد ازدادت أهمية هذا الممر مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة واستهداف إسرائيل لقيادات بارزة في الحرس الثوري الإيراني، وهو ما أثار مخاوف بشأن استقرار المشاريع الإقليمية طويلة الأمد.
ومن بين الشخصيات التي لعبت دوراً مهماً في متابعة المشروع علي لاريجاني، الذي أجرى عدة لقاءات مع مسؤولين روس خلال الفترة الماضية لبحث تطوير الممر التجاري وتعزيز الاستثمارات المشتركة فيه. كما واصل مسؤولون روس التأكيد على استمرار العمل بالمشروع رغم التوترات الأمنية، مع التركيز على تطوير البنية التحتية للموانئ والمراكز اللوجستية.
التحركات الروسية الأخيرة أظهرت أن المشروع لا يتعلق بإيران وحدها، بل يشكل جزءاً من شبكة تعاون اقتصادي أوسع تضم روسيا والهند وعدداً من دول آسيا، في محاولة لبناء مسارات تجارية تقلل من الهيمنة الغربية على طرق النقل والطاقة العالمية.
في المقابل، تسعى دول الخليج إلى تقليل اعتمادها على مضيق هرمز عبر توسيع خطوط الأنابيب ومسارات التصدير البديلة. السعودية رفعت طاقة الضخ عبر خط الشرق ـ الغرب باتجاه البحر الأحمر إلى مستويات قصوى، بينما عززت الإمارات عمليات التصدير عبر ميناء الفجيرة الواقع خارج نطاق المضيق.
كما عاد الحديث مجدداً عن مشاريع خطوط غاز تربط قطر بتركيا عبر عدة دول في المنطقة، في وقت تتوسع فيه شبكات السكك الحديدية والشاحنات لنقل البضائع نحو الموانئ العمانية وموانئ البحر الأحمر بهدف تقليل الاعتماد على طرق الملاحة المهددة.
ورغم هذه البدائل، ما تزال المخاوف قائمة من انتقال التهديدات إلى ممرات بحرية أخرى مثل باب المندب، خاصة مع تزايد استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في النزاعات الإقليمية.
أما تركيا، فبرزت باعتبارها ممراً برياً مهماً لاستمرار تدفق التجارة الإيرانية نحو الأسواق الغربية، حيث أعلنت أن المعابر الحدودية مع إيران تواصل العمل وفق إجراءات مشددة لضمان استمرار حركة الشحن التجاري رغم تعليق حركة المسافرين في بعض المناطق الحدودية.
هذه التحولات دفعت دول المنطقة إلى التعامل مع مسألة تنويع طرق التجارة والطاقة باعتبارها أولوية جيوسياسية وليست مجرد مسألة اقتصادية، في ظل تصاعد المخاوف الدولية من تكرار سيناريو تعطيل الممرات البحرية الاستراتيجية في مناطق أخرى حول العالم.