اجتماع بعبدا يفتح أزمة جديدة داخل البرلمان اللبناني

2026.05.12 - 11:16
Facebook Share
طباعة

 تصاعدت في الأوساط النيابية اللبنانية موجة غضب واسعة على خلفية اجتماع بعبدا الأخير، وسط اتهامات متبادلة حول الجهة التي عطّلت مسار قانون العفو العام، الذي كان يُنظر إليه قبل أيام فقط باعتباره قريباً من التوافق النهائي بعد تقدّم النقاشات بين الكتل النيابية.

 

وبحسب المعطيات السياسية المتداولة، فإن اقتراح قانون العفو العام المقدم من ثمانية نواب كان قد وصل إلى مرحلة متقدمة من البحث، بعد إدخال تعديلات عليه وإجراء تفاهمات جانبية بين عدد من الكتل، إلى جانب تعهّدات غير معلنة بتسريع إحالته إلى الهيئة العامة لمجلس النواب من قبل رئيس المجلس نبيه بري، وهو ما انعكس على وتيرة الاجتماعات المشتركة للجان النيابية التي استمرت لأسابيع.

 

لكن هذا المسار تعثّر بشكل مفاجئ، ليعود ملف العفو إلى نقطة شبه مجمّدة، في ظل تباين حاد في تفسير أسباب التعطيل، وانقسام واضح بين القوى السياسية حول المسؤولية.

 

في المقابل، برز موقف يعتبر أن العائق الأساسي تمثّل في الخلافات بين الكتل النيابية من جهة، والموقف الصارم للمؤسسة العسكرية من جهة أخرى، حيث عبّر وزير الدفاع ميشال منسّى وعدد من ضباط القيادة العسكرية عن رفض قاطع لأي صيغة تشمل تخفيف الأحكام عن المتورطين في قتل عسكريين، ما وضع سقفاً صارماً للنقاشات التشريعية.

 

هذا الموقف دفع بعض النواب إلى الاعتقاد بأن معالجة الملف كانت تحتاج إلى نقاشات أكثر هدوءاً وبعيداً عن الضغط الشعبي، مع إشراك قضاة مختصين، والذهاب نحو اجتماعات مصغّرة بين رؤساء الكتل بهدف تقريب وجهات النظر، بدل مناقشة النصوص في أجواء توتر سياسي وإعلامي متصاعد.

 

كما اعتبر هذا الفريق أن إرجاء الجلسات المشتركة كان يهدف أساساً إلى إعادة ضبط النقاشات وتفكيك العقد المتراكمة، بما يسمح بإعادة صياغة التفاهمات بشكل تدريجي.

 

في المقابل، برزت رواية سياسية أخرى تتهم أطرافاً نيابية بسلوك مسار موازٍ خارج البرلمان، عبر نقل النقاش إلى القصر الجمهوري في بعبدا، في إشارة إلى اجتماع عقد مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، ما اعتُبر محاولة لتجاوز الإطار التشريعي لمجلس النواب.

 

ويذهب هذا الرأي إلى أن المشكلة ليست في تسريع النقاش، بل في اعتماد قنوات تفاوض جانبية، خصوصاً أن الاجتماع في بعبدا ضم نواباً لم يوقعوا على الاقتراح الأساسي، ولا ينتمون إلى اللجان النيابية المشتركة أو اللجنة المصغرة التي كانت قد شُكّلت سابقاً لمعالجة البنود الخلافية.

 

وتتوسع دائرة الاعتراض لتشمل انتقاد غياب كتل أساسية عن اللقاء، من بينها كتل رئيسية مثل حزب الله، وحركة أمل، والتيار الوطني الحر، إضافة إلى كتلة “لبنان الجديد” وعدد من النواب المستقلين، ما دفع معترضين إلى اعتبار أن ما جرى محاولة لفرض مسار تفاوضي خارج التوافق النيابي العام.

 

في المقابل، ينفي بعض النواب الذين شاركوا في اللقاء مع رئيس الجمهورية وجود أي اتفاق ملزم، مؤكدين أن الهدف لم يكن استبدال البرلمان، بل محاولة فتح قناة تواصل مع المؤسسة العسكرية للوصول إلى صيغة مشتركة، خصوصاً في ما يتعلق بملف الموقوفين الإسلاميين، ومحاولة إيجاد توازن بين مطالب النواب السنّة وموقف الجيش.

 

لكن هذا التفسير لم يخفف من حدة الاعتراضات، إذ اعتبر نواب معارضون أن ما جرى يشكل التفافاً على المجلس النيابي ومحاولة لفرض تفاهمات غير مكتملة، لا تراعي النقاشات الجارية داخل اللجان.

 

وفي تفاصيل الخلاف، يوضح هؤلاء أن الصيغة التي طُرحت في بعبدا تضمنت استبدال عقوبة الإعدام بعقوبة تصل إلى 28 سنة سجناً، أي ما يقارب 20 سنة فعلية، بينما كانت النقاشات داخل البرلمان تدور حول تخفيض العقوبة إلى أقل من 25 سنة، مع إدخال تعديلات إضافية تتعلق بآليات الاستفادة من القانون.

 

كما أُثيرت إشكالية إضافية تتعلق بعدم استفادة الموقوفين غير المحكومين بحكم مبرم من القانون، حتى في حال صدور أحكام بدائية، إلى جانب الجدل حول آلية احتساب الأحكام المتعددة وإمكانية إدغامها.

 

وبحسب تقديرات بعض النواب، فإن الصيغة المطروحة في بعبدا قد تؤدي إلى استبعاد أكثر من مئة شخص من أصل نحو 148 موقوفاً مصنفين ضمن ملف “الموقوفين الإسلاميين”، بينهم محكومان بالإعدام و13 محكوماً بالمؤبد.

 

وفي ظل هذا التعقيد، برز موقف يعتبر أن تقليص عدد المستفيدين إلى هذا الحد يجعل مشروع العفو العام بلا جدوى سياسية أو اجتماعية، ويفقده مبرر الاستمرار كملف إصلاحي شامل.

 

بالتوازي، كشفت أجواء نيابية عن عقد اجتماع عبر الاتصال المرئي “زوم” بين عدد من النواب السنّة، شهد نقاشاً حاداً حول أداء بعض النواب المشاركين في لقاء بعبدا، وخصوصاً أحمد الخير وأشرف ريفي، وسط اتهامات بالخروج عن التوافقات الداخلية المتعلقة بملف الموقوفين.

 

وخلال الاجتماع، عبّر عدد من النواب عن رفضهم الالتزام بأي اتفاق تم التوصل إليه خارج إطار مجلس النواب، معتبرين أنه لا يعكس الموقف الجماعي ولا يراعي توازنات الملف.

 

في المقابل، أكد بعض المشاركين أن الخلافات داخل الصف الواحد يتم تضخيمها، وأن هناك مساعي قائمة لإعادة توحيد الموقف، ومنع تحول الملف إلى انقسام سياسي داخلي.

 

وفي خضم هذا التوتر، تبرز محاولات جديدة لاحتواء الأزمة، يقودها نواب يسعون إلى إعادة النقاش إلى اللجان النيابية المشتركة، عبر التنسيق مع نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب لإعادة تفعيل الاجتماعات، بهدف إعادة صياغة التفاهمات بشكل قانوني داخل البرلمان.

 

كما تُطرح مساعٍ لصياغة حل يوازن بين متطلبات المؤسسة العسكرية من جهة، ومطالب إعادة النظر في أوضاع الموقوفين من جهة أخرى، في محاولة لتفادي انهيار كامل لمسار العفو العام، الذي لا يزال حتى الآن عالقاً بين التجاذبات السياسية والأمنية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 6